لا يمكن قراءة السلوك الإسرائيلي تجاه قطاع غزة بوصفه رد فعل آني أو سياسة ظرفية فرضتها أحداث طارئة، بل هو امتداد مباشر لعقيدة راسخة تقوم على تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، وإعادة تشكيل الجغرافيا بما يخدم مشروعاً استعمارياً طويل الأمد. فما عجزت إسرائيل عن فرضه بالقوة العسكرية المجردة خلال الحروب المتعاقبة، تسعى اليوم إلى تحقيقه عبر أدوات سياسية واقتصادية وإنسانية، ظاهرها إداري وتنظيمي، وباطنها تهجيري بامتياز.
فالحصار الخانق المفروض على قطاع غزة براً وبحراً، ومنع إدخال مواد الإعمار، وتعطيل أي مسار حقيقي لإعادة الحياة إلى ما دمّرته الحرب، ليست سياسات أمنية، كما تدعي تل أبيب، بل وسائل ضغط ممنهجة تهدف إلى إبقاء السكان في حالة عوز دائم، ودفعهم تدريجياً إلى اليأس، ومن ثم التفكير بالهجرة القسرية كخيار وحيد للبقاء. ويأتي التعامل مع معبر رفح نموذجاً صارخاً لهذه الذهنية، إذ لا يُقرأ فتحه أمام المسافرين فقط، دون البضائع أو الاحتياجات الأساسية، إلا في سياق تشجيع النزوح الجماعي، وتحويل المعاناة الإنسانية إلى أداة اقتلاع ناعمة، لا تقل فتكاً وتأثيراً عن القصف والتدمير المباشر.
التصريحات المتكررة لمسؤولين إسرائيليين، من وزراء إلى رئيس الحكومة نفسه، بشأن «تسهيل خروج الغزيين»، تكشف بوضوح أن التهجير لم يكن يوماً فكرة هامشية أو طارئة، بل هدف مركزي يعاد طرحه كلما سنحت الظروف السياسية أو العسكرية. فإسرائيل، منذ نشأتها، لم تتوقف عن السعي إلى تقليص الوجود الفلسطيني، سواء عبر التهجير المباشر كما حدث في نكبة عام 1948 ونكسة عام 1967، أو عبر سياسات الإفقار الممنهج، ومصادرة الأراضي، وبناء المستوطنات، وفرض الوقائع بالقوة.
غزة، كما الضفة الغربية والقدس، ليست استثناء من هذه القاعدة. فهي تشكل في الوعي الإسرائيلي عبئاً ديمغرافياً ومقاومة مستمرة لمشروع الهيمنة، ما يجعلها هدفاً دائماً لمحاولات الكسر أو الإلغاء. غير أن التاريخ يثبت، مرة بعد أخرى، أن هذه السياسات تصطدم بحقيقة راسخة: شعب متجذر في أرضه، قادر على الصمود، ورافض للتحول إلى لاجئ جديد مهما بلغت التضحيات.
لكن الصمود وحده لا يكفي. فالفلسطينيون اليوم بحاجة إلى موقف عربي أكثر صرامة، يقوم على ضغط سياسي واقتصادي حقيقي، ويستثمر الزخم العالمي المتنامي لفضح السياسات الإسرائيلية، وانتزاع الحقوق المشروعة، وفي مقدمتها الحق في الأرض والكرامة والحرية. فمعركة البقاء ليست فلسطينية فقط، بل اختبار أخلاقي وإنساني للعالم بأسره، ولمصداقية منظومة دولية تدعي حماية حقوق الإنسان، بينما تعجز عن وقف واحدة من أطول مآسي العصر الحديث.
سياسة الإلغاء الإسرائيلية
31 يناير 2026 00:23 صباحًا
|
آخر تحديث:
31 يناير 00:23 2026
شارك