يقلّب بعض أهلنا في مصر وبلاد الشام حرف «الثاء» إلى «سين»، فإذا أراد أحدهم القول إن «يوسف» مثلاً مثقف، يقول «مُسَأَف» وإن كان لديك الكثير من الوقت بإمكانك العودة إلى المعجم، وإلى ثلاثي «مسأف» أي «سَأَفَ» ولا أدري إن كان الجذر صحيحاً، وأي معنى يحمل.
و«يوسف» هذا المثال العربي العشوائي الذي وقعت عليه في هذه المقالة لا هو «مثقف»، ولا هو «مُسأَف»، إنه كائن عجيب فعلاً ويقع فيزيائياً وروحياً خارج الزمن، وهو عملياً ينتمي إلى ثقافة أجداده: ثقافة الحقل والمحراث وكيس القمح، ثقافة الشاعوب والمنجل والمذراة، تلك العناصر الزراعية الأولى التي ولد بينها، وهو الآن لا يحملها ولا يبحث عنها في المتاحف، ولكنه لا يكف أبداً عن سماع أصوات تلك العناصر، وكلّها مصنوعة من الحديد، هذا الحديد الذي يتصل مباشرة بحياة جدّه وجدّته، ويحبه أكثر من الذهب.
كان محمود درويش يقول «أنا يوسف يا أبي» ليؤكد وجوده البيولوجي والمادي أمام أبيه الأعمى الذي سوف يعود له بصره بمجرّد أن وضع قميص ابنه يوسف على وجهه، لكن ماذا يفعل «يوسف» المعاصر ليؤكد وجوده وأنه حيّ يرزق وليس في غياهب البئر؟ ماذا يفعل ليؤكد أنه ليس «مسأفاً»؟ هل يحلف برأس أبيه أن العلامة الوحيدة التي تدل على أنه يقرأ ويكتب هي القلم، وأن القلم وحده هو كينونة ثقافة هذا الرجل الذي قدّ قميصه من الأمام وليس من الخلف، قميص له جيب على الصدر يضع فيه قلمه، وحين كان ينسى سن القلم مفتوحاً، كان الحبر يطبع جيب القميص عند القلب تماماً، فكان قلبه ينزف حبراً لا دماً.
ذات يوم كان «المسأف» في حفل توقيع كتاب لأحد الشعراء، ليفاجأ الشاعر مؤلف الكتاب بأنه لا يحمل قلماً للتوقيع على كتابه، فطلب قلماً: «قلم يا إخوان، من معه قلم، من فضلك إذا كان معك قلم»، وإلى آخره من رجاءات.
لم يكن أحد من الجمهور يحمل قلماً، وبلا وعي منّي، تحسست قلمي الباركر في جيب سترتي الداخلية، مثلما تحسس غوبلز مسدسه، مع الفارق في الحساسية والخوف اللذين يسببهما المسدس والقلم، وانتظرت قليلاً، قبل أن أعطي قلمي للشاعر، غير أن الرجل لم يعرف كيف يكتب أو يوقّع بريشة القلم الذي يحتاج إلى دقة في مسكه وضبط، وبالتالي، ضبط الريشة على الورق.
كان الأمر واضحاً وضوح الشمس، كان الشاعر قد هجر أقلامه كلها ومنذ أمد بعيد، وها هو بعد ردح من الزمان لا يعرف كيف يكتب اسمه بالحبر السائل، تماماً مثل غوبلز الذي سأضيف إلى سيرته شيئاً قد يكون قابلاً للتصديق حين أقول إنه لم يكن يعرف كيف يضغط على الزناد.
«مُسَأف» خارج الزمن
31 يناير 2026 00:46 صباحًا
|
آخر تحديث:
31 يناير 00:46 2026
شارك