للتّبعيّة الاقتصاديّة معنًى رديفٌ لمفهومها النّظريّ، بما هي خضوعٌ بنيويّ للنّظام الاجتماعيّ- الاقتصاديّ المسيطِر والحاكم (نظام المركز)، والمعنى الرّديف هذا - وهو أوضحُ في الدّلالة على التّبعيّة - هو فِقدان السّيادة الاقتصاديّة للبلد والدّولة اللّذيْن تنشأ فيهما تلك التّبعيّة، إذِ الأصْل في المسألة أنّه لا سيادة لدولةٍ على ثرْواتها، ومقدّراتها، وإنتاجها، وسياستها الاقتصاديّة، وغِذاء شعبها... إنْ كانت بنياتُها الاقتصاديّة والإنتاجيّة مشدودةً، بخيوط التّبعيّة، إلى بنيات ميتْروبوليّة خارجيّة تسيطر عليها وتتحكّم فيها وتقرّر مصيرها.
والقاعدةُ في هذا أنّ التّابع لا يكون سيّداً على نفسه: أكان فرداً أو جماعةً (شعباً، دولةً...). لسنا نقصد بهذا تلك السّيادةَ الاقتصاديّةَ والإنتاجيّة المطلقة التي يستغني بها صاحبُها عن غيره وعن كلّ تعاوُنٍ مع غيره، فمثل هذا الضّرب المطلق من السّيادة شأنٌ يستحيل، اليوم، حتّى على كبرى الدّول وأكبر الاقتصادات في العالم، فكيف بالسّواد الأعظم من الدّول والاقتصادات التي هي دون الأولى عِظماً، إنّما نعني ذلك الحدّ الأدنى من السّيادة الذي يُحرِّر صاحبه من الضّغط والابتزاز الخارجيّين لسدّ حاجته، ويسمح له بالتّصرُّف مع الخارج بقدرٍ ملموس من النِّدّيّة وعلى النّحو الذي يَحُدّ من مفاعيل علاقات التّبادل اللاّمتكافئ.
فِقدان السّيادة وفِقدان الاستقلال وجهان للعملةِ عينِها، أكان ذلك في ميدان الاقتصاد أو في السّياسة أو في غيرهما من ميادين الاجتماع، وهُما يقودان إلى حالةٍ واحدة هي فِقدان الأمن الاقتصاديّ الذّاتيّ: الأمنُ الذي من دونه ما من سبيل إلى الحديث عن اقتصادٍ وطنيّ أو قوميّ، ولا من سبيل إلى تنمية اقتصاديّة واجتماعيّة لبلدٍ مّا تغطّي الاحتياجات وتقلِّص مساحةَ الالتجاء إلى الخارج والوقوعِ تحت وطأة شروطه سعْياً وراء سدّ تلك الاحتياجات. من تَبَدّيات فقدان الأمن الاقتصاديّ لبلدٍ مّا ما يقع من فقدانٍ لوجوهٍ عِدّة من الأمن: الأمن الزّراعيّ، الأمن الغِذائيّ، الأمن المائيّ...إلخ، هذه التي إذْ تُصاب في مقتل، تدُلُّ على أنّ حال الأمن الاقتصاديّ إلى انحلالٍ وتفسُّخ، وأنّها حال ستنعكس - حكماً - على مجمل الميادين الاجتماعيّة الأخرى مستجِرّةً عليها أسوأ العقابيل، إذِ القاعدةُ الذّهبيّة، هنا، هي تلك التي تقول إنّ من لا يملك أن يوفِّر قُوتَه بنفسه، لا يمكنه أن يملك قراره...
هذا ليس ترتيلاً ذهنيّاً لاحتمالاتٍ نظريّة قد تصْدُق في الواقع أو لا تصْدُق، بل هذا واقعُ حالِ البلدان التي ترزح في أغلال التّبعيّة، منذ حقبة استعمارها، ولَمّا تعثُر بعد على سبيلٍ إلى كسر حلْقات التّبعيّة المكبَّلَة بسلاسلها والظّفرِ بفرصة الاستقلال الوطنيّ الحقيقيّ. أكثر بلدان العالم من هذه الفئة من بلدان التّبعيّة، ولعلّها تمثّل ثلاثة أرباع بلدان العالم، الأمرُ الذي يفسّر الزّيادات المطّردةَ في أنواع الأزمات التي تعصف بالعالم وتقود إلى إشعال الحروب والاضطرابات فيه.
ولقد يزيد طينَ هذه الحال من فقدان السّيادة والاستقلال والأمن بِلّةً أنّ بلدان التّبعيّة، التي تعاني اقتصاداتُها ذلك الفقدان، يرزح بعضٌ منها تحت أثقال معضِلة اقتصاديّة إضافيّة تصطنعها دول المركز الإمبرياليّ هي العقوبات الاقتصاديّة التي تصل، في كثيرٍ من الأحيان، إلى شلّ النّظام الاقتصاديّ والماليّ في البلد الذي تقع عليه، وحرمانِ شعبه من أبسط الحقوق الإنسانيّة في العيش. صحيحٌ أنّ استخدام سلاح العقوبات الاقتصاديّة وَقَع حتّى على بلدان ذاتِ اقتصادات قوميّة قويّة، مثل الصّين وروسيا، وأثَّر فيها (روسيا خاصّة) من دون أن يطرحها أرضاً، لكنّه في حالة البلدان الصّغيرة (العراق، ليبيا، سوريا...) يكون أشدَّ وطأةً، بل يكون قاتلاً ومدمّراً.
على أنّ التّبعيّة التي من هذا الجنس لا تنحصر آثارُها المدمّرة في ميدانِ علاقاتِ مركز/ محيط الاقتصاديّة، بل هي تمتدّ بآثارها تلك إلى ما هو أبعد من ميدان الاقتصاد ومن نطاق الإنتاج والحاجات وإشباعها: إلى مجمل مسائل السّيادة واستقلال الدّولة والقرار الوطنيّ لِما بين التّبعيّة الاقتصاديّة وهذه من شديدِ اتّصال. ليس تفصيلاً عاديّاً وعابراً أن تفقد دولةٌ قرارَها الاقتصاديّ المستقلّ وأن تعجز - تحت وطأة فاقتها - عن أن تجيب احتياجات مجتمعها الاقتصاديّة- الاجتماعيّة، إنّ ذلك إذْ يُلْجئها إلى الخارج لسدّ تلك الحاجات (تحديداً ذلك الخارج الذي هي تابعةٌ لكوْنه الاقتصاديّ منذ زمن)، يفرض عليها أن تخضع لشروطه وإملاءاته التي تُفْقدها كلّ استقلالٍ ولو رمزيّ.

[email protected]