«أثمن ما نملك هو ما لا يراه أحد».
***
قبل فترة جمعني لقاء عابر بكاتب شاب، كان الحوار يتدفق بسلاسة حتى جاء السؤال «الحديث»: «هل لديك حساب على السوشيال ميديا؟ أريد متابعتك». وحين أجبتُه: «نعم، لكن حسابي مغلق ولا أنشر فيه شيئاً»، ساد صمت مفاجئ. كانت نظرة ريبة، كأنني أخبرته أنني أخفي سراً خطيراً، ليسألني بجدية: «لماذا؟ هل تخفي شيئاً؟».
أدركتُ حينها عمق المأساة، كيف تحولت الخصوصية من «حق» أصيل إلى «تهمة» معلبة. قديماً كان يُقال «ما خفي كان أعظم» للدلالة على الوقار، أما اليوم فالمخفي «مريب»، ومن يرفض الوقوف تحت الأضواء يُنظر إليه كأنه كائن غير سوي، أو «منعزل» مشتبه فيه. الشفافية التي كانت قيمة لمحاربة الفساد تحولت إلى واجب لفضح أنفسنا طوعاً. إذا لم تشارك فأنت لا توجد، وإذا وُجدت ولم تشارك فأنت مُدان.
لقد انتقلنا من بشر لديهم حياة إلى «منتجين» يسكنون استوديو مفتوحاً لا يهدأ، حيث الخصوصية لا تدر ربحاً ولا تحصد «إعجاباً». الخوارزميات اليوم تكافئ من يعرّي تفاصيل يومه، بينما تهمّش الصامتين، حتى سقطت العلاقات في فخ العلنية، الحب الذي لا يُنشر «مشكوك فيه»، والصداقة التي لا تُعلن إهانة. نقيس عمق الروابط بضجيجها الرقمي، لا بصدقها.
المفارقة الساخرة هي أننا نغطي كاميرات حواسيبنا خوفاً من المتطفلين، بينما نفتح أبواب حياتنا على مصاريعها طوعاً، نخشى من يراقبنا خفية، لكننا نعرض أنفسنا علناً.
هـــذه المأساة تتبلـــور بوضـــوح في جيـــلٍ وُلد وصـــوره تملأ الفضاء الرقمــي قبل أن ينطــق اسمه، جيل يظن أن الخصوصية فكرة قديمة مثـــل الهاتــف الأرضي، وأن الحيــاة التي لا توثقها الكاميرا هي حياة لم تحدث أصلاً. وبذلك خسرنــا الحميميــة والعفوية، بل خسرنا «الحق في النسيان»، فأخطاؤنا القديمة موثقة للأبد، وجاذبية الغموض تبددت لصالح صورة مثالية مزيفة.
العودة لاستعادة الخصوصية تتطلب شجاعة استثنائية، أن نكون «مجهولين» مجدداً، وأن نؤمن بأن أثمن لحظات العمر هي تلك التي لا يراها أحد. لأنها ببساطة ملكنا وحدنا، فهل لا نزال قادرين على ذلك؟