أليس واجباً رفع الالتباس قبل الخوض في الموضوع؟ العنوان قد يوهم بأن المناهج كافةً، صانعة إعداد واستعداد. ليتها كانت كذلك، فما نحن في انتظار تطويرها، إلا كجميل بثينة: «ما أنتِ والوعدَ الذي تعدينني.. إلا كبرق سحابةٍ لم تُمطرِ».
من أدوات التنقيب عن العلل، لدى القلم، الرجوع بالظاهرة إلى الجذور، وهذا قديم في ثقافتنا: «وهل يستقيم الظل والعود أعوجُ»، «ما بُني على باطل فهو باطل»، وهلم تراثاً. عندما تُجري فحصاً ذهنياً شاملاً لميادين الحياة العربية، تدرك أن تنشئة أكثرية الأجيال العربية، في التاريخ الحديث، أخفقت في الإعداد والاستعداد، لكونها لا تزال غير قادرة على مواجهة تحديات زمانها، وغير مؤهلة لاستعراض عضلات الإبداع والاختراع.
سرّ التغيير يكمن في تطوير أنظمة التربية والتعليم؛ لأن النموذج الفكري، إطار المفاهيم، تغيّر كلياً وخرج من جلباب أبيه. يبدو أن الكثيرين يتصورون أن الأصالة هي استمرار حياة القرون الماضية. السؤال: وأين أصالتك أنت، التي سيرثها أحفادك؟ لو كان هذا الرأي سليماً، ما كان لأعظم مقولة في تاريخ التربية والتعليم، أن يكون لها معنى: «لا تعلّموا أولادكم ما عُلّمتم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم».
سيقول خلّي القلب: مالك لا تغادر جَلد الذات. معاذ الله. وأنت؟ لم لا تطالب المشتغلين في مؤسسات الصحة، بالاستقالة، إن كان ذكر العاهات والآفات جلد ذات؟ عندما ترى المؤتمنين على الجغرافيا السياسية والاستراتيجية ساهين عن شغل التداعيات الخطرة، وأن الموقف العام هو عدم الاكتراث لما يحدث، عملاً بالحكمة المضادّة: «كل طائر معلق من عرقوبه»، وعندما ترى عجلة التاريخ تعود بالصراعات الدولية إلى قول الشابي: «إن الحياة صراعٌ.. فيها الضعيف يُداسُ»، فباسم الحضارة والديمقراطيّة، تستطيع القوة العظمى أن تركل منظمة الأمم المتحدة إلى أمّ قشعم، وعندما ترى أن الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا والذكاء الاصطناعي، تبدع كل مجد علمي وتكنولوجي، بينما القوم غير قادرين حتى على تبسيط قواعد لغتهم التي ظلت متسمرة عند القرنين الرابع والخامس الهجريين، فإن الاستنتاج الجلي غياب الإعداد والاستعداد.
لزوم ما يلزم: النتيجة المنهجية: التربية مسؤولة عن إعداد الأجيال بالإرادة والوعي والطموح والإحساس بالمسؤولية، والتعليم مسؤول عن الاستعداد بالعلوم والمعارف التي تفرض الوجود في العصر.


[email protected]