دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي ال45 للولايات المتحدة الأمريكية، يسكن البيت الأبيض للمرة الثانية. كانت المرة الأولى بين عامي 2017 و2021. هو الرئيس الذي سيذكره التاريخ كثيراً ضمن سلسلة كبيرة من الأوصاف، ومجموعة كبيرة من الأحداث. هو الرئيس الذي سيختلف عليه المؤرخون، هل كان صانع سلام أم صانع حرب، هل عهده عهد رخاء أم عهد توتر في داخل الولايات المتحدة وخارجها؟
ونحن هنا لسنا في معرض تقييم ولايتيه، ولا الأوصاف التي التصقت به واستطاع أن ينفضها، لكن ما يدهش في الأمر أنه يطمح للحصول على جائزة نوبل للسلام، فأي سلام حقّق؟
لنبدأ من إيران، بغض النظر من موقفنا من المفاعل النووي الإيراني، أو سياستها في الشرق الأوسط، أو طبيعة نظامها، إيران هي التركة المزعجة جداً لترامب وغيره، فقد تداول أزمتها قبل ترامب مجموعة من الرؤساء من دون التوصّل إلى نتيجة، وكان عهد كل من تعاطى الأزمة مليئاً بالتوتّر، ليس في العلاقة الثنائية فقط، بل على مستوى العالم، خاصة في الخليج العربي. ولو شئنا ذكر المراحل لاحتلت مساحة واسعة من المقالة، لكن لا بأس من تناولها باختصار، فقد تعاطى مع أزمة المفاعل النووي الإيراني مجموعة من الرؤساء هم: جيمي كارتر (1977-1981)، بداية التوتر بعد الثورة الإسلامية. رونالد ريغان (1981-1989). بيل كلينتون (1993-2001). جورج بوش الابن (2001-2009). باراك أوباما (2009-2017)، وهو الذي وقّع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015. دونالد ترامب (2017-2021)، انسحب من الاتفاق النووي. جو بايدن (2021-2025). وأخيراً دونالد ترامب مرة أخرى (2025- الآن).
في الواقع، فإن ترامب خلق أزمات في ولايته الأولى استمرت معه في الولاية الثانية، إذ إضافة إلى خروجه من اتفاق المفاعل النووي الإيراني، وانسحابه من محكمة العدل الدولية، ولاحقاً، من نحو ستين منظّمة، فقد اعترف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، ما جعل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يزداد سخونة، ووافق على ضم الجولان السورية لإسرائيل، وكاد أن يفتح جبهة مع الصين. ولا أدري الوصف الممكن ل«مجلس السلام» في قطاع غزة، الذي جاء بعد دعم سياسات إسرائيل على مدى عامين من الحرب وتزويدها بالسلاح.
ولا أدري إن كان ما فعله ويفعله في العراق هو سلام أم لا، وما يفعله ويفعله في أوكرانيا هو سلام أم لا، ثم ما فعله في فنزويلا، بغض النظر من موقفنا مما حصل، إلا أن ما حصل من خطف للرئيس الفنزويلي ضد كل الشرائع الدولية، وأطلق عليه البعض وصف البلطجة. وجاءت بعدها أزمة غرينلاند، وكاد أن يشقّ التحالف مع الأوروبيين نتيجة تصميمه على الحصول على هذه الأرض بالغة الأهمية بالنسبة له، وكان على استعداد لفتح جبهة مع الدنمارك. أما أساطيله التي تجوب بحار العالم وأهمها البحر المتوسط والخليج العربي فهي قصة أخرى، وتنم عن توتّر بالغ في المشهد السياسي العالمي.
إن تعامله مع العالم بمنطق القوة أبلغ دليل على أن السلام ليس هدفاً وإنما شعار فقط، لكن البعض يشير إلى دوره في عقد اتفاقيات سلام بين إسرائيل وعدة دول عربية، التي اعتُبرت خطوة نحو تخفيف التوتر في الشرق الأوسط. كما ينظر البعض إلى محاولاته للتفاوض مع كوريا الشمالية عامي 2018 و2019، حيث كان أول رئيس أمريكي يلتقي زعيم كوريا الشمالية بشكل مباشر، وهم يعتبرونها خطوة إيجابية.
لكن، هل تكفي تلك الإنجازات مقارنة بالإنجازات التي حققها قادة آخرون وحصلوا على نوبل للسلام، مثل ثيودور روزفلت لدوره في إنهاء الحرب الروسية-اليابانية عبر الوساطة، وودر ويلسون لمبادرته في تأسيس عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، وجيمي كارتر لجهوده الطويلة في حل النزاعات الدولية وتعزيز حقوق الإنسان، وباراك أوباما تقديراً لخطابه حول نزع السلاح النووي وتعزيز التعاون الدولي.
وهناك قادة آخرون مثل نيلسون مانديلا الذي حصل عليها مع فريدريك دي كليرك، لإنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وياسر عرفات وشمعون بيريز وإسحق رابين الذين حصلوا عليها عن اتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين. هؤلاء القادة قدموا مشاريع مستدامة للسلام، وهناك شخصيات أخرى ليست سياسية استحقت الجائزة مثل هنري دونان مؤسس الصليب الأحمر، ومارتن لوثر كينغ جونيور لنضاله السلمي ضد التمييز العنصري في الولايات المتحدة، والأم تيريزا لعملها الإنساني مع الفقراء والمهمشين، ومالالا يوسفزاي وكايلاش ساتيارثي لنضالهما من أجل حق الأطفال في التعليم، ونرجس محمدي لنضالها من أجل حقوق المرأة وحرية التعبير في إيران.
نوبل للسلام أثارت جدلاً حين حصلت عليها شخصيات، وكان السبب افتقار الإنجاز للاستدامة، ومن هؤلاء باراك أوباما، وياسر عرفات وشمعون بيريز وإسحق رابين إلا أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لم ينته، وهنري كسنجر بسبب استمرار الحرب في فيتنام، وأونغ سان سو تشي بسبب موقفها من أزمة الروهينغا، وآخرون.
إن شخصية دونالد ترامب التي تتخذ القوة منهجاً لتحقيق الأهداف قد تحول دون حصوله على نوبل للسلام، لكن من يدري، فالجائزة قد تخضع لمعايير لا نعرفها أحياناً.
ترامب والسلام
2 فبراير 2026 00:01 صباحًا
|
آخر تحديث:
2 فبراير 00:01 2026
شارك