اختلطت في الذاكرة تفاصيل تجربتي في الدبلوماسية مع تجربتي في الصحافة مع فيما بينهما من تجربة العودة إلى قاعات الأكاديميا، التجربة التي أضافت الكثير إلى حصيلة تجربتي في الدبلوماسية وفي الصحافة، أو بمعنى أدق، عملت على تعميق بعض ما كان تعاملي معه في التجربتين سطحياً، أو كان صعباً، ومعقداً على فهم شاب في أوائل العشرينيات من العمر، شاب قليل الخبرة. ولكن بقيت تفاصيل لم تحصل على حقها من النشر واطّلاع قراء كلهم أعزاء.
صحيح أنني لم أبخل عامداً متعمداً على قرائي بتفاصيل إلا ما خشيت، عليها أو منها، أن تحرج أصحابها، أو يساء تفسيرها. كنت أنا نفسي وقتها أقل جسارة، أو كانت بعض خزائن الذاكرة لا تزال غضّة وخجولة، لا تسمح للغرباء بالاطّلاع على خفاياها.
وصلت بكين وأنا ربّ عائلة في الثانية والعشرين، وزوجة في التاسعة عشرة، وجنين في شهره الثالث. قضينا في الطريق إلى بكين يومين أو ثلاثة، بهونغ كونغ، نتبضع لشتاء قاس في بكين. انبهرت بهونغ كونغ هذه المدينة الحية بالتجارة، والسياسة، والجاسوسية. قبل وصولي تخيّلتها لن تختلف عمّا رأيته في أفلام السينما عن الحياة في طنجة والدار البيضاء، خلال الحرب العالمية الثانية، ولكن ما إن تجولنا فيها إلا وأدركت أنها مدينة مختلفة، وبالفعل كانت مختلفة. تخيّلت على الفور عبقريتين، الصينية والبريطانية، تجتمعان في مدينة، تنسقان بوداعة فائقة قواعد العيش بينهما.
جدير بالذكر، أننا كنا في بكين، أسوة بكل البعثات الدبلوماسية، نأكل ونشرب ونقرأ ما تبيعه لنا هونغ كونغ. إذ كان ما نحصل عليه من المتجر التابع لوزارة الخارجية الصينية لا يزيد على ما تقرر لنا من أرز وتفاح وكرنب.
مؤكد أن الحزب الشيوعي الصيني استطاع في أقل من عشر سنوات أن ينجح في توزيع القليل من المواد الغذائية توزيعاً عادلاً على الصينيين. نجح أيضاً في القضاء على تجارة المخدرات، وهي السلعة التي روج لها المستعمر الإنجليزي، وأغرق بها البلاد، بل ودخل حرباً مع حكومة الإمبراطورية الصينية بسببها. وبسببها جاء وقت قبل وصول الحزب إلى الحكم كانت شوارع المدن تزخر بالمتسوّلين، وجثث أطفال حديثي الولادة، وأسواق تباع فيها الزوجات.
أذكر بكل ارتياح وإعجاب رحلتي الثانية إلى الصين في أوائل عقد السبعينيات، ضمن وفد صحفي من مؤسسة الأهرام، بعد أن مرّ على زيارتي الأولى ما يزيد على خمسة عشر عاماً، قضيت بعضها في أوروبا، وبعضاً آخر في أمريكا اللاتينية، ثم ثلاث سنوات في أمريكا الشمالية، أكثرها في جامعة بكندا أدرس خصيصاً الصين بين موضوعات أخرى. عدت إلى بكين إنساناً مختلفاً، لأجدها أيضاً مختلفة. كان الرئيس على أبواب مرحلة الرحيل، والناس على اختلاف مشاربهم يتحركون، ويستعدون لتغيير قادم. هناك، وفي هذه الزيارة استمعت إلى حوار أعادني إلى أجواء المحاضرات في مونتريال على أيدي فلاسفة وعلماء سياسة، من أوروبا الشرقية والولايات المتحدة. دار الحوار أثناء أحد لقاءات وفدنا الصحفي بالمسؤولين في الحزب، دار بين عملاقين في الشأن الأيديولوجي، بين زميلنا في الأهرام محمد سيد أحمد، ووزير الخارجية شو اين لاي. لعبت للحظة دور المحفز عندما توجهت بالسؤال إلى الوزير عن آخر رأي للحزب في الشقاق الدائر في الحزب الشيوعي الإيطالي، والانتقادات الموجهة للشيوعية كما طبقت في روسيا.
كان طرفا الحوار رائعين. لا أظن أنني سمعت حواراً على هذا المستوى من قبل، ولا من بعد. ليلتها صرحت أمام أعضاء وفدنا الصحفي في جلستنا الليلية المعتادة في نهاية كل يوم حافل بالحكايات والدروس، صرحت واتفق معي محمد هيكل ومحمد سيد أحمد، على أن الوزير شو اين لاي ألمح بثقة متناهية إلى أن التغيير في الصين نحو نظام مختلف صار قريباً وضرورياً، بشرط أن تستمر حملات تطهير الفساد، تنفيذاً لنظرية الثورة الدائمة لحماية النظام من الفاسدين والمارقين.
بالفعل، وبعد سنوات معدودة من لقائنا بشو اين لاي، حدث التغيير. تغيرت في النظام الصيني عقيدته، وقيادته، ورؤاه لدوره في آسيا وفي العالم. حدث كذلك، وبعد مرور أقل من عقدين، أن سقط النظام السوفييتي في موسكو، ثم في دول أوروبا الشرقية.
تقدم بي العمر، وما زلت أتابع بشغف تطورات التجربة الصينية في النهوض، بالبشر والدولة، إلى مستويات غير معهودة من التقدم، في مدة زمنية أيضاً غير معهودة. أتابع أيضاً، وباستمتاع، سلوك الصين السياسي في الساحة الدولية، سلوك دولة على يقين بأن حلم أن يقوم نظام دولي تعدّدي محل الهيمنة الأمريكية الراهنة صار أقرب للتحقيق من أيّ وقت مضى.