تكشف كلمة محمد عبدالله القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، خلال افتتاح أعمال القمة العالمية للحكومات 2026 عن عقلية علمية فكرية تستشرف ببصيرة مثقفة شكل وصورة وواقع العالم بعد عشرات ومئات السنوات. ويتمحور هذا الاستشراف الدقيق والمستند إلى حقائق إحصائية حول الإنسان أولاً وأخيراً، الإنسان الذي يبدأ التحوّل من داخله، وليس من داخل المختبرات ومراكز التكنولوجيا كما قال في كلمته الرؤيوية، والتي تُشكّل بالفعل خريطة طريق للمستقبل والإنسان تقوم على أربع قوى أوضحها محمد عبدالله القرقاوي بشفافية فكرية، بعيداً عن التعقيد النظري واللغوي.
كلمة القرقاوي في جوهرها جاءت في إطار فكري ثقافي، علمي، بعيداً عن لغة التأويل، والضرب في الرمل كما يقولون. رجل قارئ موسوعي بانورامي لمعطيات العصر الحاضرة، ويعرف جيداً كيف يمهّد قراءته هذه لقراءة أوسع هي مرة ثانية: الإنسان والمستقبل.
لم يضع محمد عبدالله القرقاوي التكنولوجيا وصناعتها وثقافتها العابرة للقارّات بوصفها أولوية فكرية، بل رأى أن الإنسان هو الأولوية، ومرة ثانية، أكّد على أن التحولات الأسطورية التي يشهدها العالم إنما أساسها الأول هو الإنسان، وقال بكل وضوح: «نحن نعيش لحظة إعادة تعريف لقدرات الإنسان»، وضمنياً، تنطوي هذه العبارة المكثفة على معنى آخر هو: تعريف لمفهوم المستقبل.
أكثر من مرة أشار محمد عبدالله القرقاوي إلى ما سوف يشهده العالم بعد 100 سنة أو 10 سنوات، أي أن نظرته الفكرية ليست محدّدة باللحظة الراهنة التي تتجاوزها ثقافة التكنولوجيا في كل ثانية من الزمن، بل تذهب هذه النظرة الرؤيوية إلى ما هو أبعد من الحاضر، إلى المستقبل، وهو في هذا الإطار يتساءل عن الكيفية التي سوف تتعامل بها الحكومات مع إنسان المستقبل، أو مستقبل الإنسان.
تتوقف عند فكر الرجل، وقوّة حدسه، وواقعيته الثقافية التي لا تبسّط وقائع الحداثة وتتجاهلها، بل تبني على الحداثة باتجاه ما بعد الحداثة، حداثة مستقبل الإنسان، وإنسان المستقبل مرة ثانية، وهما جوهر فكر القرقاوي بكل هدوء وعمق واستشراف.
قرأت كلمة محمد عبدالله القرقاوي بهدوء وتبصّر، تلك القراءة التي تلجأ اليها عادة حين تقرأ خطاباً ثقافياً أو فكرياً بحرص شديد وإصغاء مكثف لكل كلمة، وجملة، وعبارة، ذلك أن الخطاب العلمي الثقافي من هذا النوع، يحك طبقات العقل، ويدفع الى التفكير والتأمل، ثم القرار.
نعم، المثقف العربي، اليوم، عليه أن يقرّر إجابة واحدة من خلال سؤالين أو أكثر: أين هو؟ من هو؟ ما مصيره؟ وما شراكته العملية مع العقول النقدية الاستشرافية؟
محمد عبدالله القرقاوي عقل يبني على عقل، رؤية تبنى على رؤية وفق مسارين ثقافيين: الإنسان، والمستقبل.