تشهد المنطقة حالة من التوتر المتصاعد مع تزايد الحشود العسكرية الأمريكية، وهي تحركات لا يمكن فصلها عن رغبة إدارة الرئيس دونالد ترامب في ممارسة ضغوط قصوى لإجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات. الهدف المعلن من هذا التحشيد هو انتزاع اتفاق جديد بشروط مشددة، لا تقتصر فقط على الملف النووي، بل تمتد لتشمل الحد من قدرات الصواريخ الباليستية، وتقليص الدور الإقليمي.
ترامب، الذي يعتمد مدرسة «التفاوض تحت الضغط»، يراهن على أن استعراض القوة العسكرية سيؤدي في النهاية إلى دفع طهران إلى القبول بما كانت ترفضه سابقاً، على اعتبار أن هذا الأسلوب هو الأقصر لتحقيق مكاسب استراتيجية من دون الدخول في مواجهة شاملة.
في المقابل، تدرك طهران أن القبول بالشروط الأمريكية تحت وطأة التهديد المباشر، يعني تقديم تنازلات جوهرية تمس ما تعدّه ركائز استراتيجية لأمنها، خاصة في ملف الصواريخ الباليستية الذي تراه «وسيلة دفاعية» لا يمكن التفاوض عليها، هذا الإصرار الإيراني على الرفض نابع من حسابات البقاء والمصالح، ما خلق حالة من الانسداد السياسي.
ومع استمرار واشنطن في إرسال المزيد من القطع العسكرية، أصبح المشهد يميل نحو حافة الهاوية، حيث يصر كل طرف على موقفه، ما يرفع من احتمالية حدوث صدام قد لا يرغب فيه أي منهما، لكنه قد يقع نتيجة سوء تقدير للحسابات على الأرض.
خطورة هذا النهج القائم على «حافة الحرب» تكمن في أنه يضع استقرار المنطقة بأكملها في مهب الريح، فالحروب في هذا الجزء من العالم لا تبقى محصورة في حدود معينة، بل تتحول سريعاً إلى صراعات واسعة تجلب الخراب والدمار وتدمر الاقتصادات لسنوات طويلة.
الصدام العسكري، مهما كانت نتائجه المباشرة، لن يؤدي إلى حلول مستدامة، بل سيخلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار التي ستدفع ثمنها الشعوب والمنطقة برمتها، لأنه من السهل إطلاق الحروب لكن لا يملك من يشنها رفاهية إيقافها وفق حساباته أو كما يريد.
وفي ظل هذا الانسداد، يظهر أن الاعتماد الكلي على خيار القوة العسكرية والأساطيل لا يضمن الوصول إلى نتائج سياسية مضمونة، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من تعقيد الأزمة وتطيل أمدها، لذا فإن الحل يكمن في مسارات بديلة تنظر إلى الأمور وتوازن بين المصالح، لتجنب الدخول في نفق مظلم من المواجهات المفتوحة التي قد تخرج عن السيطرة وتكلف الجميع خسائر بشرية ومادية فادحة لا يمكن تعويضها، وهو ما يجعل البحث عن حلول وسطية بعيداً عن التلويح بالقوة هو الاحتمال الأفضل الذي لا بدّ أن يفرض نفسه في نهاية المطاف لتفادي الانفجار الشامل الذي لا تأمل المنطقة برمتها الوصول إليه.

[email protected]