على منوال ما يقع داخل المجتمع السّياسيّ الوطنيّ من ضروب التّسلّط السّياسيّ والاجتماعيّ، يشهد ما يُسمّى «المجتمع الدولي» الظّاهرةَ عينَها في تجلّيّاتٍ منها متعدّدة. ما من غرابةٍ في الأمر، إذِ التّسلُّط ظاهرةٌ عابرة للأوطان والدّول والأمم لأنّه ظاهرةٌ ملازمة للعلاقات الإنسانيّة أيّاً كان فضاؤها الذي تجري فيه، وما العلاقاتُ الدّوليّةُ، بما هي علاقاتٌ بين الدّول أو بين الأمم من خلال دولها، سوى مظْهر موسَّع لتلك العلاقات الإنسانيّة. وكما يَظهر التّسلّط بوصفه شططاً في ممارسة السّلطة داخل الاجتماع الوطنيّ ومؤسّساته الاجتماعيّة والسّياسيّة، وبوصفه خروجاً عن حدِّ السّياسة في معناها المدنيّ، كذلك يقدّم نفسَه -في حقل العلاقات الدّوليّة- بوصفه غلوّاً في ممارسة السّلطة واعتسافاً تخرُج به عن حدّها المشهور المتعارَف عليه بين الدّول ومؤسّساتها الجامعة.
تنطوي علاقات الهيمنة الاقتصاديّة والتّجاريّة والماليّة في العالم على قدْرٍ عالٍ من التّسلّط لا يَقْبل جدلاً في أمره. هي هيمنةُ قوىً من الميتربولات الرّأسماليّة الغربيّة، المتحكّمة في الاقتصاد العالميّ ونظامه الماليّ والتّجاريّ، على مقدّرات العالم كلِّه مع ما يقترن بتلك الهيمنة ويتولّد منها من ضروب الإخضاع للبلدان غير الغربيّة لذلك النّظام الاقتصاديّ والماليّ الجائر ولأحكام مؤسّساته التي تديرها دول الغرب، خاصّةً الولايات المتّحدة.
من النّافل القول إنّ هذا التّسلّط الاقتصادي- التّجاريّ- الماليّ سمةٌ ملازمة للنّظام الرّأسماليّ منذ نشأ، وخاصّةً منذ صار نظاماً إمبرياليّاً قبل قرنٍ ونصف، وإنّ ضحاياه كانوا دوماً من العالم غيرِ الغربيّ الذي وقع عليه الاحتلالُ الاستعماريّ طويلاً، ثمّ مُنِحَ استقلالاً شكليّاً فيما كُبِّل بأصفاد التّبعيّة، لكنّ لحظة انعطاف هذا التّسلّط هي التي ستبدأ قبل ثلث قرنٍ مع ميلاد العولمة. لقد آذنَ ميلادُها ثمّ زحفُها على العالم بانتقال التّسلّط من مجرّد هيمنةٍ على العالم ومقدّراته إلى الإمساك بمجمل مصيره، والذّهاب في ذلك الإمساك الخانق إلى حدّ التّحكّم في لقمة عيش ثلاثة أرباع البشريّة، وممارسة العقاب الجماعيّ بالحصار والتّجويع الشّامل لشعوبٍ بأكملها قصد إخضاع إرادتها بالقوّة لدول الغرب وسياساتها!
بالتّوازي، تُقدِّم السّياساتُ الدّوليّة للقوى الغربيّة الكبرى -خاصّةً الولايات المتّحدة- صورةً عن بشاعة التّسلّط صارخةً في الوضوح، صورة تتجلّى على الصُّعد السّياسيّة كافّة: على صعيد النّظام الدّوليّ جملةً، وعلى صعيد الدّول منفردةً الواحدة تلو الأخرى. الهيمنةُ داخل مجلس الأمن الدّوليّ، السّيطرة على القرار وعلى المؤسّسات الدّوليّة التّابعة للأمم المتّحدة، الاستخدامُ الانتقائيّ لحقّ النّقض (الڤيتو) وللفصْل السّابع ضدّ الخصوم والأعداء من دون سواهم، التّلاعبُ بالقانون الدّوليّ واستصدارُ قرارات عقابيّة جائرة مثل الحصار والعقوبات الجماعيّة والتّدخّل العسكريّ ضدّ دولٍ بعينها... بعضٌ من وجوه ذلك التّسلّط السّياسيّ الذي يقع على صعيد النّظام الدّوليّ باسم القانون والشّرعيّة الدّوليّين! لكنّ أضعافَ هذا التّسلّط الجاري باسم قوانين النّظام الدّوليّ، وبتوسُّل أدواته، هي ما تشهد عليه البشريّةُ من تطبيق القوى الغربيّة سياساتٍ غيرَ قانونيّة ولا تسمح بها المواثيق ولا الأعراف ولا القيم الإنسانيّة سعياً وراء مصلحتها الخاصّة!
يصطدم التّسلّط في السّياسات الدّوليّة بالقانون الدّوليّ، شأنُه في هذا شأنُ التّسلّط الدّائر في المجتمع السّياسيّ الواحد المصطدم بالقانون الوطنيّ. هو -من حيث المبدإ- ليس تسلّطاً إلاّ لأنّه مخالِفٌ للقانون ومنتهِك له، ولو كان فعلاً يحترم القانون لكان سلطةً لا تسلُّطاً، فالسّلطة وَلايةٌ على أمْرٍ يسلّم به القانون ويعترف بشرعيّته، فيما التّسلُّط ليس تكليفاً شرعيّاً ولا قانونيّاً لأنّ القائم به -فرداً كان أو دولةً- يَمنَح نفسَه الحقّ في ممارسته خارج أيّ تفويضٍ قانونيّ.
على أنّ سلوك الدّول الغربيّة السّياسيّ ينطوي على مفارقة سياسيّةٍ صارخة لا يمكنها إلاّ أن تستوقف المرء وهو يراقبه في تجلّيّاته المختلفة. تمارس قوى الهيمنة الغربيّة تسلّطها السّياسيّ الغاشم في الحقل الدّوليّ، خاصّةً ضدّ بلدان الجنوب: شعوباً ودولاً، من غير أن يرفّ لها جفن، وهي متنكّرةً لكلّ المبادئ الإنسانيّة الكبرى التي قامت عليها مجتمعاتُها السّياسيّة في الماضي القريب، فيما هي تُحجِم عن ممارسة تلك السّياسات الخرقاء في داخلها القوميّ: ضدّ شعوبها، متمسّكة بالحرّيّات والحقوق والقانون.

[email protected]