في لحظة ما بين الحياة والموت قد يصبح قرار إنساني واحد سبباً في منح الآخرين فرصة جديدة للحياة. من هذا المعنى العميق ولد برنامج التبرع وزراعة الأعضاء «حياة» في دولة الإمارات، ليكون أكثر من مجرد برنامج صحي، إنه رسالة إنسانية عالمية تؤمن بأن العطاء لا حدود له، وأن إنقاذ إنسان واحد يعني إنقاذ عالم كامل.
«حياة» ليس قصة أرقام فحسب، بل حكاية بشر من ثقافات وجنسيات متعددة، اجتمعوا تحت مظلة القيم الإماراتية التي جعلت التسامح والتعايش نهجاً راسخاً، فمشاركة متبرعين ومتلقّين من 57 جنسية، تعكس صورة نادرة لعالم يتشارك الألم والأمل معاً، حيث تتلاشى الفوارق أمام قيمة الحياة، ويصبح الجسد جسراً للإنقاذ، لا حدود له ولا هُوية سوى الإنسانية.
منذ انطلاقه، رسم البرنامج مساراً تصاعدياً لافتاً، بدأ بخطوات متواضعة عام 2017 بثلاثة متبرعين فقط، لكنه سرعان ما تحول إلى تجربة عالمية رائدة، ومع مرور السنوات، لم تتوقف عجلة التطور، حتى بلغ عدد المتبرعين عام 2025 نحو 149، أسهموا في زراعة 450 عضواً، في نمو سنوي يعكس ثقة المجتمع ووعيه المتزايد بقيمة التبرع بعد الوفاة.
هذه الرحلة لم تقتصر على حدود الدولة، بل امتد أثرها الإنساني إلى خارجها، حيث أسهم البرنامج في إنقاذ مئات المرضى في دول شقيقة، مثل المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، فضلاً عن مرضى من دول أخرى، وفي كل عملية زراعة، كانت هناك قصة صبر طويلة، ونهاية مختلفة لأسر انتظرت الأمل لسنوات، فوجدته في عضو تبرع به شخص لم يعرفها يوماً، لكنه منحها الحياة.
اليوم، تحول «حياة» إلى تجربة تستقطب اهتمام العالم، حيث تسعى دول عدة للاطلاع عليها والاستفادة من نموذجها المتكامل، الذي يجمع بين التشريع والعلم والإنسان، إنها تجربة تؤكد أن الريادة الحقيقية لا تقاس بالتقدم التقني فقط، بل بقدرة الدول على جعل الإنسان في قلب كل قرار.
وهكذا، يواصل «حياة» أداء رسالته بهدوء بعيداً من الأضواء، لكنه حاضر في نبض قلوب عاد إليها الأمل، وفي أنفاس مرضى استعادوا حقهم الطبيعي في الحياة، هو برنامج يذكرنا بأن أعظم أشكال العطاء هو أن نمنح الحياة حياة أخرى.

[email protected]