أدوات تدريس الطالب الحالية باتت اليوم محط نقاش واسع بين الأهل والمعلمين، خصوصاً في المراحل الدراسية الأولى في فصول الحلقة الثانية، حيث تُثقل كاهل الطالب بسلسلة متواصلة من المشاريع والاختبارات لكل مادة تقريباً. تراكم من شأنه أن لا يضغط الطالب وحده، بل يمتد أثره إلى المعلم داخل الصف، ثم ينتهي بحكم الواقع على عاتق أولياء الأمور، وبالأخص الأمهات، اللاتي يجدن أنفسهن في مواجهة عبء يومي يتجاوز حدود المتابعة إلى ما يشبه التدريس الكامل.
في المبدأ، لا أحد يعترض على فكرة المشاريع أو أدوات التقييم المتنوعة، فهي وسيلة مهمة لترسيخ الفهم وتوسيع مدارك الطالب. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه الأدوات إلى هدف بحد ذاتها، لا إلى وسيلة، وحين يُقاس النجاح بعدد الملفات المسلّمة لا بعمق الفهم المكتسب. هنا يفقد المشروع قيمته التربوية، ويتحوّل إلى مصدر ضغط نفسي وزمني على الأسرة، وعلى الطالب قبلها.
في واقعنا الحالي، كثير من المشاريع تُترك للأم لتفكر في فكرتها، وتصوغها، وتنفذها مع ابنها أو بدلاً منه، فقط لضمان الحصول على الدرجة المطلوبة. وهكذا، تتحول الأمهات من حيث لا نشعر إلى طالبات مدارس يُنجزن مشاريع لا تخصهن، في مشهد يناقض جوهر التربية والتعليم وأهداف المنهج التي يفترض أن تبني شخصية الطالب، لا أن تستبدل جهده بجهد أسرته.
المطلوب ليس إلغاء المشاريع، بل إعادة تعريف دورها، وتوضيح أن دور الأم إشرافي داعم، لا تدريسي منفذ. وفي المقابل، علينا أن نغرس في الطالب ثقافة الاعتماد على النفس، وتشجيعه على استخدام الأدوات المتاحة بما فيها أدوات التعلم الحديثة والذكية ليبحث ويجرب ويتعلم بنفسه. عندها فقط، تصبح المشاريع وسيلة لبناء طالب مستقل وواثق، لا عبئاً إضافياً على بيت يبحث عن بعض الطمأنينة في زحمة الدراسة.
والعملية التعليمية في جوهرها منظومة تشاركية بين المدرسة والطالب وولي الأمر، لكل طرف فيها دور واضح لا ينبغي أن يتداخل مع الآخر. الخلل يبدأ حين تضيع هذه الحدود، فيتحول ولي الأمر إلى منفّذ للمشاريع، والطالب إلى مجرد ناقل لأوامر المعلم لوالدته.
المطلوب اليوم تفعيل الشراكة بشكلها الصحيح، مدرسة تخطط وتقيّم، ومعلم يختار أدواته بمرونة، وطالب ينفّذ ويتعلم، وولي أمر يساند ويتابع دون أن يحلّ محل الطالب. وعندما تتضح هذه الأدوار وتُحترم نصل إلى مخرجات تعليمية أكثر توازناً وجودة، تنعكس على بناء شخصية الطالب لا على أرقام الدرجات فقط.

[email protected]