في كل محاورات كونفوشيوس (ترجمة: محسن سيّد فرجاني)، لم أجد مقولة واحدة عن الذهب، بل قرأت ما ذكره عن الأرز، والموسيقيين، وأكثرهم في زمنه من العميان، كذلك، تحدث عن الثياب، وبالطبع الكثير من محاوراته تتمركز في برّ الوالدين، أما الذهب المعدن الأسطوري الغنائي فلا تبحث عنه عند كونفوشيوس رجل الحكمة، وبلاط الملوك، بل رجل المناصب الرفيعة مثل القضاء، ودائماً حوله تلاميذه ومريدوه، وهم أيضاً لا أحد منهم يبحث عن الذهب، كأن الصين كلّها فلسفة وحكمة وأرز.
ولكن لماذا كل هذه المقدمة عن الذهب؟ خبر صغير قرأته قبل أيام، فقد أعلن فندق «غراندا مبيرور» الذي افتتح في الصين في عام 2006 أنه اقتلع سبائك ذهب حقيقية كانت تزيّن مدخل بهوه الرئيسي وباعها مقابل 12.8 مليون دولار أمريكي مستفيداً من الارتفاع الكبير في أسعار الذهب.
اشتهر الفندق في الصين بممره الذهبي، كما جاء في الخبر، عشرات من السبائك الذهبية مطروحة تحت أقدام نزلاء وزوّار الفندق، والسبيكة الواحدة تزن كيلوغراماً، كّلها اقتلعت وبيعت، وخلال عشرين عاماً مضت مشى فوق هذا الصف الذهبي نساء ورجال وأطفال، كما لو أن الواحد من هؤلاء يحقق في ذاته مجداً رومانسياً على الأقل، وهو يدعس على أغلى معدن في العالم وفي التاريخ.
في حالة كهذه، يستدعي المرء الثقافة أولاً، الثقافة وجذورها وعلاقتها بالإنسان الذي ينتجها، أما الجذور الثقافية للبلد الذي يحيط به أعظم أسوار الدنيا والعالم فتتمثل في الإرث الكونفوشي الفكري والفلسفي والتأمّلي، فكر رجل متواضع رفض كتابة أفكاره في مدوّنة مخطوطة، ولولا تلامذته لضاعت حوارياته ومداخلاته اليومية التي تحوّلت في ما بعد إلى روح الصين الحديثة على شكل إحياء أو بعث جديد للفكر الكونفوشي وبخاصة مع مطلع تسعينات القرن العشرين.
يرفض كونفوشيوس إهانة الكائنات، وحتى الأشياء. فكره فكر إنساني مُصَفّى. فكر حيّ إلى اليوم، منذ حوالى خمسمئة عام قبل الميلاد، وفي كل الأحوال لم يكن الرجل رجل مال أو أعمال، وقد عاب عليه ذات يوم أحدهم بأنه بلا حرفة تدرّ عليه مالاً وجاهاً، فأجابه: ماذا لو عملت إسكافياً؟ في قصة الفندق ذي الممرّ الذهبي، أهين المعدن الأرستقراطي الأصفر والأحمر والأبيض مرّتين: المرة الأولى حين كانت السبائك تحت الأحذية، والمرة الثانية، حين اقتلعت من حيّزها الجمالي الفني، وبيعت في السوق لتتحول من رمزيتها الأيقونية التاريخية إلى مجرّد حفنة دولارات.
[email protected]