د. ناصر زيدان

لقاء وزراء خارجية الدول العربية أو ممثليهم مع القيادات الهندية في نيودلهي (30 - 31 يناير/كانون الثاني 2026) مُنطلق واعد لتعاون له أبعاد استراتيجية نافعة، وهو الثاني بعد المؤتمر الذي عقد في المنامة على هذا المستوى عام 2016. لكن الزيارات الثنائية والمؤتمرات المتخصصة لم تنقطع بين الجهتين، وهي شملت توقيع اتفاقيات تجارية مختلفة، وأرست برنامجاً ثقافياً وعلمياً وسياحياً كبيراً، والطرفان راغبان في تعزيز العلاقات، وهذه العلاقات لا تُثير أية التباسات، وقائمة على أساس المنفعة المشتركة بين أمتين جارتين، وتفعيل الشراكة ليس موجهاً ضد أحد.
رئيس وزراء الهند نارندرا مودي الذي التقى المشاركين في الملتقى، أعرب عن ثقة واضحة بأن العلاقات بين الجهتين اللتين تربطهما علاقات جيرة تاريخية، قادرة على إنتاج فوارق مهمة في النواحي التكنولوجية والابتكار والطاقة، وفي تفعيل التجارة البينية والدولية، والارتقاء إلى مستويات متقدمة تخدم شعوب الهند والعالم العربي، ولها فائدة عالمية جامعة. بينما أكد أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط في اللقاء مع مودي على وجود رغبة جامعة لدى 22 دولة عربية بتطوير الصداقة مع الهند، وتأطير العلاقات في مختلف النواحي والمجالات.
من الواضح أن العلاقات بين الدول الخليجية العربية والهند مُتقدمة جداً، ولها خصوصياتها الوازنة، وهذه الدول تستضيف ما يقارب 9 ملايين من الوافدين الهنود يعملون في مختلف القطاعات، بينما التبادل التجاري والسياحي بينهم كبير جداً، نظراً للتقارب الجغرافي بين الجهتين، ولأن قواعد التعاون مبنية على أساس من الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة، من دون مُقيدات تحالفية قد تثير حساسيات إقليمية أو دولية، وخصائص الجانبين العربي والهندي تبقى ملكاً لهما، ولا يتدخّل أي طرف منهما في الشؤون الداخلية للطرف الآخر.
وقفت الهند إلى جانب القضايا العربية العادلة طوال ما بعد تحررها من الاستعمار في عام 1947، وكانت رائدة في إرساء قواعد عدم الانحياز الدولي أيام الاستقطاب القطبي الثنائي قبل عام 1990، وهذه الميزة أعطت دفعاً للعلاقات العربية- الهندية على المستويات كافة، خصوصاً في السياق الدبلوماسي، وفي المنتديات الدولية وفي أروقة هيئة الأمم المتحدة، والبحث بضرورة تطوير قواعد العمل في مجلس الأمن الدولي.
في أجواء السخونة الدولية الراهنة تبرز أهمية التفاهمات الإقليمية كضمانة لعدم انفلات الوضع إلى فوضى كبيرة، لا سيما في ظل أجواء شديدة التوتر تُلقي بتبعاتها السلبية على الاستقرار العام. والهند نقطة ارتكاز على المستوى الإقليمي وفي السياق الدولي، ولها تأثيرات الوازنة في أكثر من ملف ساخن، وللهند دور أساسي في المباحثات التي تجري ضمن مجموعتي «بريكس» و«شنغهاي» لإنتاج نظام جديد للتعاملات التجارية العالمية.
والهند التي تربعت على عرش أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، لديها مقومات تقنية وعلمية وإنتاجية كبيرة، وقد برزت في المدة المنصرمة من بين أهم الدول التي تتعاطى في مجال تحويل المشتقات النفطية، وإعادة تصديرها، بينما تنامى منسوب إنتاجها للطاقة الكهربائية المُتجدِّدة بشكل واسع، لا سيما من خلال توفير جزء كبير من حاجاتها الكهربائية من خلال تقنية الألواح الشمسية ومراوح الهواء الضخمة.
والعالم العربي المتربع على أهم جغرافيا سياسية، يعتبر مكاناً مثالية للهند لمساعدتها في مختلف المجالات، وهو بالتحديد مصدر للطاقة الأحفورية التي تحتاج إليها نيودلهي، وسوق استهلاكية لبعض الإنتاج الهندي، خصوصاً الزراعي والتكنولوجي، واليد العاملة الهندية تستفيد من الأسواق العربية على شاكلة واسعة، وهناك تقارب تقافي موروث بين الشعبين اللذين اعتادا على بعض القيم المشتركة منذ القِدم.
والملتقى العربي- الهندي على مستوى وزراء الخارجية الذي انعقد في نيودلهي، أعطى صورة عن سياقات هادئة من التعاون المشترك، بعيداً عن ضجيج الاستقطابات المحورية الدولية القائمة، وهو ينشد السلام والاستقرار لمنطقة غرب آسيا التي تحفل بتوترات كبيرة ومُقلِقة، وقد أكد المجتمعون حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة، وعلى تأييد المبادرة العربية للسلام التي أطلقتها قمة بيروت العربية لعام 2002.