يشهد عالم اليوم ثورة الذكاء الاصطناعي التي هي امتداد للثورة الصناعية التي حدثت في القرن التاسع عشر، هذه الثورة لا تزال في بداياتها، حيث تسابقت الدول، من خلال الشركات، على امتلاك تلك التكنولوجيا الفائقة في كافة المجالات.
لقد كان إطلاق «تشات جي بي تي» في مطلع عام 2023 من قبل شركة «أوبن أيه آي» حدثاً مميزاً في إطار تلك الثورة، حيث جسّد هذا الاختراع قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد الأفكار، وتقديم الإجابات الشافية والنصائح ومعالجة النصوص على اختلاف أنواعها. وقد انبهر العالم بقدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي قد يفتح أبواباً لا حصر لها في سوق التجارة الالكترونية التي يتوقع الخبراء أن تصل أرباحها إلى أكثر من 8 تريليونات دولار في المستقبل القريب.
وتعد جمهورية الهند من الدول الرئيسية في العالم في ميدان السايبر والذكاء الاصطناعي، حيث أصبح لديها صناعات تكنولوجية متكاملة، تبدأ من تصنيع أنصاف النواقل إلى تصنيع الأجهزة الالكترونية والسيبرانية المختلفة. ونظراً للتأثير الكبير الذي أصبحت تمثله الهند في الذكاء الاصطناعي، فقد انعقدت في العاصمة دلهي «قمة تأثير الذكاء الاصطناعي» يوم الاثنين الماضي، بمشاركة عدد من قادة الدول ورؤساء الحكومات وصناع القرار ووفود من الخبراء والمتخصصين يمثلون أكثر من 100 دولة، لمناقشة الأولويات الاستراتيجية المستقبلية للذكاء الاصطناعي، وبحث فرص تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لدعم تطوير حلول ذكاء اصطناعي تخدم مسارات التنمية المستدامة، في لحظةٍ يتحول فيها نقاش هذا الذكاء من التنافس على النماذج إلى التطبيق العملي.
وتُرسّخ القمة مكانة الهند كلاعب مهمّ في كيفية بناء الذكاء الاصطناعي وإدارته واعتماده في كلٍ من الجنوب العالمي والشمال العالمي. وقد شاركت دولة الإمارات في هذه القمة، ونيابة عن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، فقد ترأس سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، وفد دولة الإمارات الرفيع في القمة.
وتأتي مشاركة الإمارات في أعمال القمة دعماً لجهود تعزيز التعاون الدولي في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، في إيجاد الحلول لمشاكل الفقر، وتحقيق التنمية الشاملة في مختلف مناطق العالم. وأيضاً إخضاع الذكاء الاصطناعي للحوكمة والضوابط التي تحدّ من المظاهر السلبية التي قد تنشأ عنه، والتي قد تسبب الكثير من المشاكل في كافة المجتمعات البشرية.
وقد ركزت القيادة الرشيدة، منذ قيام دولة الإمارات، على الابتكار بمختلف أنواعه، كوسيلة مهمة لتحقيق التقدم السريع وبلوغ التنمية الشاملة، وفي عام 2017 تم إطلاق «الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي»، بهدف جعل هذا الذكاء القائم على معطيات التكنولوجيا الحديثة، محوراً رئيسياً في الخطط التنموية وإدخاله في مختلف القطاعات كالصحة والتعليم والنقل والطاقة، وغيرها من القطاعات الأخرى بحلول عام 2031.
وتحظى «استراتيجية الذكاء الاصطناعي» بدعم الصندوق السيادي لإمارة أبوظبي «إم جي إكس« MGX». الذي يمول أصولاً ومشاريع سيبرانية بقيمة 367 مليار درهم. وفي فبراير(شباط) 2018، اعتمدت حكومة دولة الإمارات الاستراتيجية الوطنية للابتكار المتقدم، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تطوير نمط تفكير يشجع على التجربة والمخاطرة المدروسة، في القطاعين الحكومي والخاص، وابتكار حلول للمستقبل بما يدعم تحقيق محاور وأهداف مئوية الإمارات 2071.
وتدعم جهود الابتكار في دولة الإمارات شركات وجهات حكومية وقطاع خاص وشركات كبرى مثل، مركز محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي لحضانة وريادة الأعمال، وصندوق محمد بن راشد لدعم الابتكار، ومركز الشارقة لريادة الأعمال، ومصرف الإمارات للتنمية الذي هو المحرك المالي الرئيسي لأجندة النمو الاقتصادي المتنوع والمستدام في دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب شركات صناعية.
تعمل دولة الإمارات العربية المتحدة على تعزيز مكانتها كقوة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي سيصل إسهامه في اقتصاد الدولة إلى نحو 96 مليار دولار بحلول عام 2030 وفقاً لتقارير مؤسسات عالمية آخرها لشركة«ديل»التكنولوجية، ومجموعة«برايس ووترهاوس كوبرز».
وهناك العديد من الشركات التكنولوجية في الإمارات، وهي تتوزع بين الشركات العالمية التي لها مقارّ في الدولة، والشركات المحلية المتخصصة في مجالات مختلفة مثل: التكنولوجيا المالية، وتعتبر مدينة دبي للإنترنت، مركزاً هاماً للعديد من الشركات التكنولوجية الكبرى والمتوسطة والصغيرة. كما يوجد في دولة الإمارات العربية المتحدة العديد من الشركات التي تطور حلولاً تكنولوجية وتطوير صناعات الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي.
إن دولة الإمارات العربية المتحدة قد حققت إنجازات كبيرة في مجال الابتكار، ونجحت في بلوغ الغاية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وذلك بفضل رؤية وتوجيهات القيادة الحكيمة، التي حولت الابتكار من مفهوم نظري إلى تطبيقات عملية يتوالى ظهورها على مدار الأيام والسنين، وبما يؤدي إلى جعل دولة الإمارات مركزاً رئيسياً إقليمياً وعالمياً في صناعات التقنيات الحديثة على اختلاف أنواعها ومسمياتها.