دخل علينا منذ أيام الشهر الكريم، ومنذ لحظة تكبيرة الإمام لصلاة التراويح يتغير شيء ما في كل شيء حولك، نسمات الهواء، صوت الصلاة في روحك، أجواء الليل، تتغير أشياء في روح الإنسان حتى يتعجب مما تغير وغيره... في دقائق هي فاصلة، تشعر بأن هدوءاً عم في داخلك، وأن روحك بدأت تتسرب منها عجلة الحياة المكتظة وترتخي، تبدأ حواسك باستشعار روحانية جميلة، ويبدأ كل من حولك يصير حالة مادية غير ضرورية، لا تعنيك في شيء إلا في صورة الوجود للحاجة.
رمضان استراحة قلب وروح، هو ذلك الشعور الذي ينعم به الله على المقبلين بصدق، الحاجة التي ينتظرها من عرف قيمة الشهر الحقيقية، وتذوق عذوبة الطاعة والذكر والصلاة، هي الرغبة في الانفصال عن كل شيء إلا الله، وما يقربنا من الله، الصبر على كل ملذات الحياة، وترك ملهياتها، تطهير الروح قبل الجسد، والتزام مع الله في خير الشهور، وبركة صلة الرحم، وحسن إدراك معنى الحب والطمأنينة، الإيمان والأهل.
رمضان ليس لهواً، عو مسرح من البرامج والفعاليات، بل هو الفعالية في ذاتها، لا يضجر المرء من صلة الرحم، ولا يسأم من الجلوس مع نفسه في ذكر وتدبر، ولا يتململ من فعل الخير، ولا يتقاعس عن جميل الفعل، والتسارع في كل الإحسان، رمضان أعظم من أن يضيع في تقلبات وأمور لها وقتها ما بعد الشهر الفضيل، وإن تدبرنا «أياماً معدودات» سندرك أنها تمر في غمضة عين، ولا ندرك أنفسنا إلا ونحن نودع وندعو بأن يبلغنا رمضان أعواماً عديدة.
رمضان هو الفرصة الكبرى لترك ما يتعبنا طوال العام، هي الأيام في سحرها تعطيك طاقة الاسترخاء، والتروي في الحياة، وكم هو منعش صوت الإمام وهو يقرأ القرآن في التراويح، وكم هو آسر صدق مشاعر البشر في تقبل بعضهم والإسراع في فك الكرب، وسد الديون وفعل الخيرات، في رمضان أدعو الله أن يبلغ قلوبنا ما تشتهي من قرب لله، وما ترتجي من الارتقاء في فعل ما يجعل الروح بعد الرحيل في نعيم لا يزول، في حسن عبادة تشفع للمرء في عالم الغيب، في ستر يستره حين تقلب الصحائف، وفي حفظ الرحمن حين يغادر العباد لدار البقاء. أدعو الله أن يعطي الأرواح السائلة سكينة وما تتمناه إن كان خيراً لها.
في رمضان قناديل معلقة ودعوات مرفوعة وحاجات مكتوبة بين كفي الدعاء، وفي سجدة خشوع لعها تكون شفيعة للروح.. مبارك عليكم الشهر الفضيل.

[email protected]