مارلين سلوم

بعض الأعمال الدرامية يخرج من إطار المنافسة أو حتى المقارنة مع أي عمل آخر. منذ ما قبل بدء عرضه على الشاشة، يحدد لنفسه ركناً بعيداً يتربع فيه ويستقر، لا شيء يشبهه ولا هو يحاول التشبه بأحد، لذلك تحجز له مكاناً وتنتظره بشوق، منذ أول مشهد في أول حلقة، بل ارجع إلى البداية الحقيقية منذ التتر وما يتضمنه من مشاهد وغناء وموسيقى ومعانٍ، تجد نفسك أسيراً له، تشعر بأنك أمام قطعة فنية مكتملة بكل ما فيها، قطعة مبهرة، صادقة إلى حد يجعلك تشعر بأنها تنقل إليك مشاهد من قلب الواقع بلا نص مكتوب ولا سيناريو ولا رؤية إخراجية. هكذا يجعلك «صحاب الأرض» أسيراً له، تعيش كأنك في قلب غزة، يخفق القلب خوفاً وحزناً وألماً، ولا تعود إلى واقعك ومكانك إلا بعد انتهاء الحلقة وأنت محمّل بمآسي أصحاب الأرض في كل فلسطين.
هل تم التصوير في رفح وفي غزة والضفة؟ هذا السؤال لا بد أن يخطر ببالك فتبحث عن الإجابة وفي داخلك قناعة أن ما تشاهده من دمار وقصف وركام حقيقي، فهل يعقل أن يكون كل هذا تمثيلاً وصناعة درامية؟ مرة جديدة يتفوق المخرج بيتر ميمي ويتجاوز سقف كل التوقعات ويقدم مسلسلاً مختلفاً بكل ما فيه، ومرة جديدة يرفع سقف الدراما ويجعلنا نعيش مع «صحاب الأرض» مشدودين مبهورين متأثرين.
صحيح أن قضية «صحاب الأرض» هي البطل الأول، إذ ليس من السهل ولا من المتوقع أن تتم صناعة مسلسل عن حرب غزة وأن يأتي بهذا المستوى الفني العالي، لكن الحق يقال إن كل العمل بمن وما فيه بطل هذا الموسم الرمضاني، سواء في الدقة والإتقان في الكتابة، معالجة وسيناريو وحوار عمار صبري،
تطوير السيناريو والحوار محمد هشام عبيه، وفي الإخراج بيتر ميمي، وإتقان في أداء كل الممثلين بلا استثناء وفي مقدمتهم الرائعان منة شلبي وإياد نصار.
موجع ما نراه، لكنه يتركك أمام إحساس ووجع أكبر كلما فكرت أن ما تراه مطابق للواقع وما عاشه أهل غزة خلال الحرب، يقولون إن المسلسل «يزعج» إسرائيل، وكيف لا يزعجها وهو يوثق حقائق حاولت طمسها، مثل سرقة الجثث من ثلاجة المستشفى وإذلال وتهديد الأطباء والمصابين وقتل الأبرياء العُزّل؟
كل هذا القلق من المسلسل ولم يتجاوز حتى كتابة هذه السطور الثلاث حلقات، فمن المؤكد أن الآتي أكبر وأصعب.
«صحاب الأرض» كتب شهادة نجاحه منذ الإعلان عنه، وأكد استحقاقه التميز وصدارة كل ما تتضمنه خريطة الدراما هذا العام مع بداية عرضه، ولنا معه وقفة أخرى لاحقاً.

[email protected]