لو قمت بجولة بسيطة وسريعة على منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، لابد أن تصادف تلك الصورة أو الفيديو المكون من فنجان قهوة وبجانبه كتاب أو صحيفة، على أنغام أغنية لفيروز، أو اقتباس لكاتب أو مفكر، في مشهد يوحي بأن صاحب المنشور من فئة المثقفين أو القراء على أدنى تقدير، لو أخذنا من هذا المنشور جزئية واحدة فقط وهي «فنجان القهوة»، وضرورة إقحامه في صورة الثقافة دائماً، ليصبح في المخيلة الثقافية المعاصرة رمزاً للشخص القارئ والمثقف.

لكن القهوة، لو قُدّر لها أن تتكلم، ربما قالت لنا بما معناه أنها مجرد مشروب، وليست شرطاً من شروط المثقف، ولا بنداً في تعريف الثقافة، وأنها لن ترفع معدل الذكاء لمجرد أن لونها غامق ورائحتها آسرة، فكل ما في الأمر أنها كما يقول العلم، تحتوي على الكافيين الذي ينبه الذهن ويقاوم النعاس، فيجعل صاحب الفنجان أكثر يقظة وقدرة على التركيز، لا أكثر ولا أقل، أما ما تبقى من أساطير حول عبقريتها الثقافية فصنعته الكتب نفسها، ومن كتبوا هذه الكتب.

بدأت علاقة القهوة بالثقافة قبل زمن «السوشيال ميديا» بكثير، سواء في الدواوين والمجالس الخاصة، وصولاً إلى المقاهي العربية الأولى التي ظهرت مع انتشار القهوة، حيث جلس الأدباء والشعراء والتجار والعامة في مكان واحد، يتبادلون الحكايات والأخبار، ويتبارون في إنشاد القصائد ومناقشة قضايا عصرهم، ومن رحم هذه الطاولات الخشبية، خرجت نصوص ومبادرات وجماعات أدبية لم تكن لترى النور لولا فنجان قهوة يؤنس الوحدة ويطرد النعاس.

هذا الارتباط الوثيق بين القهوة والكلمة المكتوبة تجسّد في سيرة كثير من الأدباء حول العالم، خذ مثلاً أونوريه دي بلزاك، الروائي الفرنسي الشهير، يقال إنه كان يشرب حتى خمسين فنجاناً من القهوة في اليوم الواحد، وكتب نصّاً بعنوان «مباهج وآلام القهوة» يصف فيه كيف تسقط القهوة في المعدة، فتتحرك الأفكار.. وتأتي الذكريات ركضاً، ودوستويفسكي، صاحب العوالم النفسية المعقدة، اعتمد على القهوة ليطيل ساعات السهر والتركيز بينما يغوص في دهاليز الروح البشرية.

في العالم العربي، لا تقل حكايات القهوة أدباً ودرامية، فعددٌ من روائع الأدب العربي الحديث ولدت في المقاهي، أو على الأقل حملت في سطورها رائحة القهوة، ولذلك لا غرابة أن تصبح صورة الكاتب العربي، وهو أمام فنجان قهوة، مشهداً متكرراً في العديد من المنشورات، حتى ليخيل لمن يراقبهم أن الإبداع نفسه يذوب في ذلك الفنجان الصغير.

مواقع التواصل الاجتماعي أخذت هذا التاريخ الحميم بين القهوة والكتب، وحوّلته في كثير من الأحيان إلى ديكور جاهز، ولكن في الحقيقة العلمية، أن القهوة تساعدك على البقاء مستيقظاً وأنت تقرأ أو تكتب أو تفكر، لكنها لن تضع الفكرة في رأسك، إذا لم يكن هناك أساس من القراءة والتجربة والمعرفة.