البعض يفسر اللحظة التي يتوقف فيها المبدع، في مختلف المجالات الأدبية، عن الكتابة بانقطاع الإلهام، وهو الوقت الذي يشعر فيه المؤلف بعدم القدرة على مواصلة إبداعه، أو أن يتوقف عن هذا الفعل لفترة طويلة بحيث يصبح عاجزاً عنه، وذلك أمر تعرّض له العديد من الكتاب الكبار حول العالم سواء في الشعر أو السرد القصصي والروائي، ولكن ما علاقة الإلهام بذلك الأمر؟ وهل هناك وجود حقيقي له أم هي محض توهمات أو مبررات يلجأ إليها المبدعون ويصدقها الناس وربما النقاد كذلك؟
الكثير من النقاد نظروا إلى مسألة الإلهام هذه وبينوا موقفهم منهم، فبعضهم يرى أنه لحظة إشراق خفي، وذلك ينطبق على جميع أشكال الآداب وأنواع الفنون، وفي السابق كان نقاد العصور اليونانية يرون في الإلهام مزيجاً بين قوى روحية غريبة وعبقرية ذاتية، وحتى العرب في الماضي، كانوا يعتقدون أن بعض الشعراء لديهم أمر غامض يعينهم على أن يخرجوا الدرر الإبداعية من القصائد الشعرية، يطلقون عليه اسم «شيطان الشعر» وتلك أسطورة جاهلية انتشرت بقوة، حيث زعم العرب أن لكل شاعر قريناً يلقنه الشعر ويمنحه القدرة على النظم، مثل «مسحل» للأعشى و«هبيد» لعبيد بن الأبرص.
وفي كل هذه الأحوال، التي أتينا على ذكرها، يبرز هذا الإلهام، أو أي من مترادفاته، بوصفه شيئاً غريباً على الإنسان وفي الوقت نفسه صاحب نفوذ على المبدع، فمتى ما انقطع عن صاحبه أو جفاه، توقفت لديه المقدرة الإبداعية، بل إن البعض يفسر إنتاج مؤلفين لإبداع يتيم كقصيدة واحدة أو رواية أو قصة وغير ذلك، بالتوجه نفسه، وأن لا شاعر أو كاتب يستطيع أن يواصل في التأليف أو الفن بغير إلهام.
ولعل إحالة الفعل الإبداعي إلى قوة خفية، هي مسألة لا تزال مسيطرة على الكثيرين على الرغم من تطور العلوم ووجود التفسيرات الحديثة من قبل علماء النفس والفلاسفة، حيث يرون أن ما يسمى بالإلهام إنما هو حالة نفسية لا شعورية، أو فيض خاطر، أو استعداد نفسي، وصنعة تتحكم فيها رغبة الكاتب أو الفنان المبدع على خوض تجربة معينة، ولعل هذه التفسيرات العلمية لا يراها البعض من المبدعين أنفسهم كافية، فهم يرون في الإلهام لحظة خاطفة ولامعة يستكشف فيها الفنان المستقبل أو يدرك معانيَ لا يدركها غيره، أي أنها أمر خفي وانقطاعها يجعل المبدع بلا قدرات.

[email protected]