الختام لا يكون مسكاً دائماً، ولكن في صناعة الدراما يتجسد المِسك في عبقرية العمل، وقدرة صناعه على التفوّق والإبداع، بما يفوق قدرتنا على القول والكتابة، للتعبير عن كم التقدير الذي نحمله لهم، وكم التقدير الذي يستحقونه. «صحاب الأرض» الذي ختم حلقاته أمس، ويقدم اليوم فيلماً تسجيلياً بعنوان: «مفتاح العودة»، من إخراج كريم الشناوي وأمير الشناوي، فيلماً يكمل رحلة أصحاب الأرض، إنما بلسان أبطال حقيقيين عاشوا تلك المرحلة ونجوا من الإبادة.
الشناوي ليس أقل إبداعاً من بيتر ميمي، فخورون نحن بالأجيال الجديدة التي تتفوق في رؤيتها وعملها بجد واجتهاد، على تطوير موهبتها واستغلالها على أفضل وجه، مخرجون ومؤلفون وممثلون يتصدرون المشهد الفني اليوم، ويقدمون لنا ما نستمتع به ويخترق عقولنا وقلوبنا، ليأخذنا نحو مسارات مهمة سواء من خلال تنمية الوعي وتثقيف الجمهور، أو من خلال إثبات أن الفن سلاح حقيقي ومدرسة نتعلم منها، ومرآة للواقع، بل لما يحصل خلف الجدران، وخلف القضايا الإنسانية وفي ثنايا الحروب.
كلمات الشكر لا تكفي، للتعبير عن تقديرنا لكل من شارك في صناعة وتقديم «صحاب الأرض»، بيتر ميمي كسر كل المعادلات، ووضع الدراما في خانة السهل الممتنع، وجسد حرفياً قيمة ومعنى «القوة الناعمة»؛ كل ما شاهدناه بدا حياً، وكأن المدينة التي بناها هي غزة بالفعل، بل صدقنا أن إياد نصار هو ناصر الفلسطيني المتمزق بين رغبته في الرحيل مع أسرته «بدنا نعيش، هذه أبسط حقوقنا انو نعيش»، وإصراره على إنقاذ يونس ابن شقيقه، وتقديم المساعدة للآخرين، وشككنا في هوية روان الغابة المصرية لشدة إتقانها دور المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي وطلاقتها في حديثها بالعبرية، وبكينا بحرقة على رحيل مجد في مشهد شكّل لنا صدمة موجعة، لأننا لم نتوقعه أبداً، ومنة شلبي هي الطبيبة التي جسدت حرفياً معنى العطاء ومعنى الرسالة الإنسانية، خصوصاً في المشهد العبقري وهي تداوي إنسانة لا تعرفها ولحظة اكتشافها أنها إسرائيلية، مشهد يُدرّس في التناقض بين ممارسة عملها لإنقاذ هذه السيدة، ونظرتها المملوءة كراهية وغضباً؛ وكامل الباشا صار عم إبراهيم المصاب بالزهايمر، ولكنه لا ينسى أحياء مدينته وبيوتها وأرضها «شبر شبر»، ولا ينسى كيف يفك لغماً، وكيف يصمد ويواجه بإرادة وتحدٍ.
«صحاب الأرض» قطعة فنية نادرة، وحكاية إنسانية من لحم ودم ومن واقع مرير؛ مهما حاولت القنوات الإخبارية نقل مشاهد مباشرة من أرض الحدث ومن قلب غزة، إلا أن ما قدمه بيتر ميمي أبلغ وأقوى، لأنه جسد قصصاً حقيقية بكافة تفاصيلها الإنسانية، والتفاصيل تحمل رسائل ووقائع ومشاعر أبلغ من النشرات الإخبارية؛ مسلسل كل هدفه إبلاغ العالم بحقيقة ما حصل «بلكي بيوعا الضمير» كما تقول السيدة فيروز.
[email protected]
«صحاب الأرض».. كلمات الشكر لا تكفي
4 مارس 2026 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
4 مارس 00:04 2026
شارك
