حسن إبراهيم النعيمي

تفكيك النظام الدولي القديم، وولادة عالم جديد في الشرق الأوسط... ولماذا تصبح الدولة المستقرة هدفاً على الرغم من حيادها
العالم الذي يتغيّر... والمنطقة التي تدفع ثمن الولادة
ما يجري في منطقتنا اليوم لا يمكن قراءته كحرب إقليمية عابرة، ولا كصراع محدود بين أطراف متنازعة. إننا نعيش لحظة تاريخية أوسع بكثير: تفكك تدريجي للنظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وبداية تشكّل توازن عالمي جديد متعدد المراكز.
فالعالم الذي حكمته قطبية واضحة، ومظلة أمنية واحدة، وتدفق اقتصادي باتجاه واحد، لم يعد قائماً كما كان. مراكز القوة تتحرك، وسلاسل التجارة تتغير، وأمن الطاقة يعاد تعريفه، والاقتصاد العالمي يبحث عن عقد لوجستية جديدة تربط الشرق بالغرب.
وفي مثل هذه التحولات الكبرى لا تولد الأنظمة الدولية في المؤتمرات السياسية، بل تولد غالباً في مناطق الاحتكاك. ولهذا يصبح الشرق الأوسط، بحكم الجغرافيا والطاقة والممرات البحرية والرمزية الحضارية، مكان الولادة الصعبة لهذا العالم الجديد. إنه ليس سبب التحول، بل مسرحه الأكثر حساسية.
وسط هذا المشهد تبرز ظاهرة لافتة: دولة ليست طرفاً مباشراً في الحروب الدائرة، أعلنت بوضوح رفض استخدام أراضيها للاعتداء على أي دولة، ومع ذلك تتعرض لضغوط متعددة الأشكال. هنا يظهر السؤال: لماذا تُستهدف الإمارات تحديداً؟
الإجابة تكمن في طبيعة دورها. فالإمارات لم تعد مجرد دولة إقليمية، بل أصبحت نموذجاً مختلفاً في المنطقة: دولة تبني قوتها عبر التنمية، وتربط أمنها بالاقتصاد، وتفتح قنواتها مع الجميع دون انخراط في الصراعات. وجود نموذج كهذا داخل بيئة مضطربة يخلق معادلة جديدة، إذ تتحول الدولة المستقرة إلى عامل توازن، وأحياناً إلى هدف ضغط، لا لأنها طرف في الحرب بل لأنها تخفف منطق الحرب نفسه.
بل إن أهمية الإمارات لا تقف عند حدودها الوطنية، فقد أصبحت خلال سنوات قليلة عقدة لوجستية ومالية أساسية للمنطقة بأكملها. وأي اضطراب عميق في اقتصادها لا ينعكس عليها وحدها، بل يمتد إلى الخليج والشرق الأوسط، لأن شبكات التجارة والطيران والاستثمار والتأمين ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً. ومن هنا فإن إضعاف اقتصادها — إن حدث — لا يضعف دولة واحدة، بل يضعف الاستقرار الاقتصادي الإقليمي كله.
لم تعد الحروب الحديثة تسعى دائماً إلى احتلال الأرض، بل إلى إرباك الدولة من دون مواجهتها عسكرياً. ولذلك ظهر نمط جديد يمكن تسميته: حرب البنية التحتية الاقتصادية، حيث يُوجّه الضغط نحو الموانئ والمطارات والطاقة والأسواق المالية، أي نحو ما يرمز إلى الثقة الاقتصادية لا القوة العسكرية.
فالهدف الحقيقي ليس الانفجار المادي، بل الأثر النفسي الذي يصل إلى المستثمر وشركات الشحن والتأمين. لأن المراكز الاقتصادية العالمية تقوم على عنصر واحد حساس: الثقة.
لماذا الإمارات تحديداً؟ لأنها تمثل ما يمكن وصفه بعقدة التوازن الاقتصادي في المنطقة. فهي نقطة التقاء التجارة الآسيوية بالأسواق الغربية، ومركز خدمات مالية، ومحطة طيران عالمية، وممر لوجستي رئيسي. لذلك، فإن التأثير فيها ينعكس على محيط واسع دون أن يجر المنطقة إلى حرب شاملة.
هنا تصبح الدولة التي تتاجر مع الجميع وتفتح أبوابها للجميع وتؤدي دور الوسيط غير المباشر عاملاً يربك الاستقطاب الحاد، فتتعرض للضغط لا باعتبارها عدواً، بل باعتبارها عاملاً يخفف الاستقطاب.
لكن هذا النوع من الضغط لا ينجح دائماً. ففي علم الاستراتيجية ظاهرة معروفة: التماسك تحت الضغط. إذا تعرضت دولة لتهديد محدود واستمرت الحياة الطبيعية فيها — المدارس، الطيران، الأسواق، المؤتمرات — فإن الرسالة التي تصل للعالم لا تكون وجود مخاطر، بل وجود قدرة على إدارة المخاطر.
وهنا تحديداً حدث التحول، إذ إن استمرار الحياة اليومية بثبات، وشهادات المقيمين ورجال الأعمال الأجانب، وما يُسمى في الاقتصاد «المعلومة الناعمة»، كلها نقلت رسالة مختلفة: أن الاستقرار في الإمارات ليس ظرفاً مؤقتاً، بل قدرة مؤسسية تجعلها الأكثر استقراراً وجاذبية في مختلف الظروف والأحوال. فتحوّل الحدث من محاولة لإرباك الثقة إلى دليل على صلابة الثقة.
العالم اليوم لا يبحث عن مكان بلا تهديدات — فهذا لم يعد موجوداً — بل يبحث عن دولة قادرة على إدارة التهديدات دون أن تتوقف الحياة. ومن هنا نفهم المفارقة: أحياناً لا تعزز سمعة الدول فترات الهدوء بقدر ما تعززها قدرتها على الاستمرار أثناء التوتر.
ولهذا فإن ما يُراد به إضعاف دولة مستقرة قد يتحول، إذا أُدير بحكمة، إلى تثبيت لمكانتها. فالإمارات لا تكتسب ثقة العالم لأنها بعيدة عن المخاطر، بل لأنها أثبتت أنها قادرة على منع المخاطر من أن تتحول إلى فوضى.
وهكذا، في زمن يتفكك فيه نظام عالمي قديم ويبحث العالم عن توازن جديد، قد يصبح النموذج الأكثر جاذبية ليس الدولة الأقوى عسكرياً، بل الدولة الأقدر على حفظ الاستقرار... حتى في قلب منطقة مضطربة.