يعرف العرب الشعر الإيراني الحديث، ويعرفون قبله، الشعر الفارسي القديم أكثر مما يعرف الإيرانيون الأدب العربي، والثقافة العربية، وذلك لأسباب عديدة ومتقاطعة بل ومعقّدة، لكن، من أبسطها استعلاء الإيراني الفارسي على اللغة العربية والثقافة الأدبية العربية، واعتبارها ثقافة بدو وبادية، وبالطبع، تعود هذه النظرة الفوقية الإيرانية إلى اعتبارات عنصرية ثقافية محكومة إلى العِرْق والقومية، ثم تالياً، الدم والطائفية والمذهبية.
بالنسبة للعربي لم ينظر إلى التراث الأدبي الإيراني، بمقابل عنصري أو عرقي أو طائفي، ولم يشعر تجاه الثقافة الإيرانية بأي دوافع استعلائية أو نرجسية، بل اقترب العرب أكثر وأكثر من التراث الصوفي الإيراني بشكل خاص: عرفوا فريد الدين العطّار، والسهروردي، والنّفري، نقلوا عمر الخيام إلى العربية، في مئات الترجمات، ترجموا إلى العربية فروغ فرخ زاد، وسهراب سبهري، وأحمد شاملو، وكان المركز القومي للترجمة في القاهرة وكأنه متخصص في نقل الأدب الإيراني والفارسي إلى اللغة العربية.
في عام 2011 نقل محمد نور الدين عبد المنعم مختارات من الغزليات الفارسية إلى العربية، جاء في أكثر من 600 صفحة، عرفنا من خلالها الروح الإنسانية عند سعدي شيرازي، وحافظ شيرازي.
عرف العرب شعراء الفرس القدامى: أبو النجم الدامغاني، ومسعود الغزنوي، والرودكي السمرقندي، والدقيقي البلخي، والكسائي المروزي، وقطران التبريزي، ومسعود سلمان، والمعزّي (من شعراء العصر السلجوقي الكبار)، وأديب صابر، وسنائي الغزنوي، وعبدالواسع الجبلي، وغيرهم العشرات والمئات من شعراء القرون الأولى.
لم يتوقف العرب عند حدّ زمني في ذاته بخصوص الترجمة من الفارسية إلى العربية، ولذلك، فنحن كشعراء عرب قدامى ومحدثين ومعاصرين نعرف شعراء إيران بالاسم والوسم، والأصل والفصل، واللغة والروح والثقافة، ونتفاعل مع هذه الثقافة الشعرية الإيرانية، ونعتبرها ثقافة جوار وثقافة حوار، في حين أن أغلبية الشعراء العرب، وأغلب تراثهم الأدبي العريق ليس معروفاً لدى النخبة المثقفة الإيرانية.
في عام 1982، أي قبل أكثر من أربعة عقود من الزمن الثقافي والجغرافي والتاريخي، صدرت عن الهيئة المصرية العامّة للكتاب مختارات من الشعر الفارسي الحديث نقلها إلى العربية الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا، وقدّم للترجمة بدراسة من 80 صفحة تُعرّف بتطور المدرسة الجديدة في الشعر الفارسي ومؤسسها الشاعر نيما يوشيج، ونتعرّف في هذه الترجمة القيّمة على أعلام الشعر الفارسي منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين.
نعرف الشعرية الإيرانية الفارسية من ألفها إلى يائها، بلا عنصرية ثقافية، وبلا عرقية أدبية منذ مئات السنوات، وإلى اليوم.
[email protected]