من أكثر الفلاسفة والمفكرين الذين عملوا على ما يمكن ان يُسَمّى تشريح التعصب، وقراءته من داخل بيئاته الثقافية والنفسية يحضر اسم الكاتب الروماني (إميل سيوران 1911-1995) وقد عرفناه نحن العرب عن طريق نقله إلى لغتنا بترجمات صافية أنيقة انجزها الشاعر التونسي (آدم فتحي).
التعصّب مشكلة، وقضية، ومرض، وبخاصة التعصّب إلى معتقد في حدّ ذاته أو أيديولوجية أو مذهب أو عِرْق أو قومية.. وبالطبع، هناك درجات للتعصّب، التعصّب المتطرّف، والتعصّب الوسطي، والتعصب العاطفي العابر غير المغلّف بالسياسة وهي أسوأ ما يمكن أن يحيط بالتعصّب الذي يتحوّل في تلك الحال إلى خداع وتجارة..
تعصّب على سياسة مع شعور بالأنا النرجسية المتضخّمة بالقوة يساوي كارثة أو مجموعة كوارث لا ينفع معها تشخيص فكري أو فلسفي، ولا يُجدي معها عقل نقدي حتى لو كان في دماغ أرسطو أو سقراط..
أيضاً تعصّب مع جهل وتخلّف يساوي جريمة أو جائحة، ويؤدي، مرة ثانية، إلى متواليات كارثية لا تنفع معها جامعات ولا حتى نوابغ في علم الاجتماع، فماذا نفعل، إذاً، .. لنستمع على الأقل إلى سيوران الذي يريد القول لنا إن خطورة التعصب تكمن في كونه يترسّب أو يتجمّع في قاع الذات البشرية، أي أنك إذا أردت فحص شخص ما أو تشخيصه من ناحية تعصّبية، فاذهب إلى قيعانه الثقافية، وبالطبع، لم يستعمل سيوران مفردة القاع، بل، استعمل كلمة (العمق)، .. هذا العمق الذي تعشش فيه بيوض التعصب..
يقول سيوران:.. (مهما هجرت معتقدك الديني أو السياسي، فإنك، ستحتفظ بالعناد، والتعصب اللذين قاداك إلى اعتناقه، ستظل مغتاظاً دائماً، إلّا أن غيظك سيتوجه ضد المعتقد الذي تخلّيت عنه. التعصّب المرتبط بجوهرك، سيظل هناك بمعزل عن القناعات التي تستطيع الدفاع عنها أو رفضها..)، اعترافات ولعنات: ترجمة: آدم فتحي.
في كتاب آخر بعنوان (مثالب الولادة) من ترجمة: آدم فتحي ايضاً يقول سيوران.. (التعصّب هو موت المحادثة. أنا لا أتحدّث إلى مترشح للشهادة. ماذا تقول لشخص يرفض أن يتفهم حُجَجك، وإذا لم تسلّم بِحُجَجِه فإنه يفضل الهلاك على التسليم..).. ولكي يخرج سيوران من مستنقع التعصب الذي لا يسلم فيه المتعصب بحجج الآخر يقول:.. (.. مرحباً بهواة الفن والصّوفيين، فهم على الأقل يتفهّمون كل الحجج..).
أريد القول أيضاً إن المتعصّب ينتقل رويداً، رويداً، من ناحية سيكولوجية، من كونه متعصباً إلى كونه عنصرياً، ولعلّ العنصري أخطر عشر مرات من المتعصّب.. والاثنان، أحدهما أعمى، والآخر: أصمّ.
[email protected]