نبت العقل السياسي الأمريكي في تربة المذهب البيوريتاني، ونجح في إقامة علاقة تكاملية بين الدين والحرية عكس التجربة الأوروبية التي تطورت على قاعدة الصراع بينهما. فالحرية لدى الأمريكي يضمنها الرب، ولا سلطة كنسية على الضمير الشخصي، بل إن أفراداً معدودين يمكنهم إنشاء كنيسة جديدة. تدعّم هذا العقل بالفلسفة البرغماتية وهي طبعة سياسية من الوضعية الإنجليزية تتناسب مع عالم أكثر ديناميكية، وخاصة فلسفة جون ديوي التي تضفي على البرغماتية نزعة مثالية، لكنها مثالية مستلهمة من التجربة الواقعية كخبرة إيجابية في التاريخ؛ ذلك أن أمريكا تعيش حياتها قبل أن تفكر فيها، ثم تعود لتُنظِّر لها. فمثلاً، ومن نجاح تجربتي التوسع السياسي والصعود الاقتصادي طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تشكل الحلم الأمريكي مطلع القرن العشرين كأفق مثالي يرى أن الولايات المتحدة وطن بالفكرة أكثر مما هي بالجغرافيا، وأن الأمريكيين ليسوا مجرد قاطنين بين الساحل الشرقي والغربي, وبين الحدود الكندية والمكسيكية، بل هم جميع الحالمين بالعدل والهاربين من الظلم والعنصرية في القارة الأوروبية، المندفعون إلى اقتحام التاريخ لصوغ الحرية السياسية والوفرة الاقتصادية على الأرض البكر.
استناداً إلى هذا العقل أسهمت أمريكا بنصيب كبير في صياغة عالمنا في أكثر من منعطف تاريخي. فلحظة اكتشافها، جغرافياً، مثلت البداية الزمنية للعصر الحديث والنهاية المكانية للعصور الوسطى، حيث اتسع الأفق العالمي بفعل التجارة الإسبانية والبرتغالية ثم الهولندية والبريطانية والفرنسية مع الأمريكتين في موازاة عمليات استيطانها، الأمر الذي جعل من هذه الدول مراكز للتجارة والثروة وجعل لها أطرافاً تمتد لمحيط العالم الجديد ثم القديم، وبالأحرى هي التي صنعت النظام العالمي «الواسع» للحداثة بسماته الأساسية المستمرة حتى الآن وعلى رأسها المركزية الغربية. فيما كانت لحظة ميلادها كدولة ليبرالية مستقلة عن بريطانيا في الربع الأخير من القرن الثامن عشر بمثابة علامة على نضوج قيم الحداثة السياسية التي تجسدت في التجربة الأمريكية قبل أن تتبلور في الثورة الفرنسية.
ظل الحلم الأمريكي قادراً على الإلهام والتبشير دون الوقوع في فخ العنصرية الذي أصاب أمماً أخرى بالغت في مدح الذات الإثنية والعرقية، فوقعت في أسر النرجسية القومية على الطريقة النازية. وعلى هذا مثلت الولايات المتحدة أفضل أشكال القيادة عبر التاريخ منذ اقتحامها للسياسة العالمية مطلع القرن العشرين، سواء عندما أعلن الرئيس وودرو ويلسون عن مبادئه الأربعة عشر حول حق تقرير المصير، مدشناً ديناميكية عصر التحرر الوطني التي أنهت الحقبة الاستعمارية بعد أقل من نصف القرن. أو عندما أسهمت في تدشين النظام الدولي في طبعته الثانية/ الأمم المتحدة التي انضوت تحتها عشرات الهيئات والوكالات، تقوم بمهام عديدة على المستوى الكوكبي. أو عندما لعبت دور الركيزة الأساسية للنزعة العالمية الليبرالية، ومارست نفوذها في تسريع بنية العولمة أعقاب الحرب الباردة.
لكن المتابع لسلوك الولايات المتحدة في الربع الأول لهذا القرن، منذ أحداث 11 سبتمبر واحتلالها أفغانستان والعراق، يلحظ اعتمادها المتزايد على ممارسة القوة أكثر كثيراً من النفوذ. لممارسة النفوذ ميزة كبيرة تنبع من استناده إلى موارد قوة ناعمة وشاملة، تمنحه القدرة على التأثير عبر الإقناع والإغواء والردع، لا تستهلك نفسها، ما يضمن استمرارها بل وتراكمها. أما ممارسة القوة فتنطوي على خطر كبير ينبع من استنادها إلى موارد صلبة، يفضي استخدامها إلى استهلاكها، فتتآكل وتذوب بالتدريج، ولا يكون أمام مالكها سوى التراجع والأفول. إنها سنة التاريخ التي جرت على كل الإمبراطوريات السابقة، ولن تتخلف عن العمل ضد الإمبراطورية الأمريكية، ولعل هذا كان هو الهاجس الذي حفَّز بول كيندي على كتابة مؤلفه التحذيري ذائع الصيت «صعود وسقوط القوى العظمى» قبل أربعة عقود.
مع ولاية ترامب الثانية، أخذت سياسات القوة تتخلص من غلاف الشرعية والقانون الدوليين الذي ظل يحيط بالهيمنة الأمريكية، حفاظاً على نظام دولي ينطوي على الحد الأدنى من القواعد القانونية، ولو كان متحيزاً في جوهره. ويكفي أن نتذكر كيف أُديرت الحرب على العراق عام 2003م، من داخل مجلس الأمن، رغم كل ما شاب القرار الصادر عنه من كذب ومخاتلة. وأن نلاحظ كيف دارت وقائع الحرب على إيران، سواء في يونيو 2025 أو في مارس 2026م، خارج كل الأطر الشرعية، فكانت عدواناً صارخاً على سيادة دولة مستقلة. هكذا يجري إهدار روح عصر التنوير وما أضفاه من قيم كونية وإنسانية على مفهوم السياسة العالمية، واستعادة عصر القوة الهمجية، وكأن ترامب هو أحد فتوّات الحسينية والدرب الأحمر الأقل أخلاقية، في حارة نجيب محفوظ، حيث تدور وقائع الملحمة الكبرى بين القوة والعدل، الحكمة والبطش. ورغم أن نموذج ترامب ليس جديداً على التاريخ السياسي، فإنه يظل غريباً على السياق الحضاري، إذ ينتقل العالم معه، من عصر الحداثة والدولة القومية إلى عصر التقليد والإمبراطورية.
التواء في حركة التاريخ
11 مارس 2026 01:19 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 مارس 01:19 2026
شارك