في أوقات التحولات الإقليمية والتحديات التي تمر بها المنطقة، تبرز كلمات القادة بوصفها رسائل طمأنينة وثقة للشعوب، ورسائل تعكس أيضاً طبيعة المرحلة التي تعيشها الدول. ومن بين العبارات التي لاقت صدى واسعاً ما قاله صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله: «جلدنا غليظ ولحمنا مرّ ما يتاكل».
هذه العبارة القوية ليست مجرد تعبير لغوي يحمل معنى الصلابة، بل تختزن في مضمونها فلسفة كاملة في القيادة تقوم على الثبات أمام التحديات، والاعتماد على منظومة قيمية متجذرة في العقيدة والإيمان، وهي القيم التي شكّلت عبر التاريخ مصدر قوة للشعوب والأمم.
لقد عُرف عن الشيخ محمد بن زايد إيمانه العميق بالقيم الدينية التي تشكل جزءاً أساسياً من هوية المجتمع الإماراتي. فالإسلام في جوهره ليس فقط منظومة عبادات، بل منظومة أخلاقية تبني الإنسان وتمنحه القدرة على الصبر والتحمل والعمل من أجل المستقبل. ومن هذا المنطلق، فإن قوة القيادة لا تأتي فقط من الإمكانات الاقتصادية أو العسكرية، بل من قوة الإيمان والثقة بالله، وهي القيم التي تمنح الإنسان القدرة على مواجهة الأزمات بثبات وحكمة.
والتاريخ الإسلامي مملوء بالشواهد التي تؤكد أن العقيدة الراسخة كانت دائماً عاملاً حاسماً في تحقيق الانتصارات. ومن اللافت أن كثيراً من هذه اللحظات التاريخية الكبرى وقعت في شهر رمضان المبارك، الشهر الذي يمثل في الوعي الإسلامي شهراً للصبر والعبادة والتقرب إلى الله، ولكنه كان أيضاً شهراً للإنجازات والتحولات الكبرى في تاريخ المسلمين. فقد شهد هذا الشهر واحدة من أهم المعارك في التاريخ الإسلامي وهي غزوة بدر التي وقعت في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة. في تلك المعركة كان المسلمون أقل عدداً وعدّة مقارنة بخصومهم، لكن قوة الإيمان والثقة بالله كانت حاضرة بقوة، فكان النصر حليفهم، ليصبح هذا الحدث رمزاً خالداً لمعنى أن الإرادة المستمدة من العقيدة يمكن أن تغير موازين القوى.
كما شهد شهر رمضان حدثاً تاريخياً آخر لا يقل أهمية، وهو فتح مكة في العشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة. هذا الفتح لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان انتصاراً للقيم الإسلامية القائمة على العدل والتسامح. فعندما دخل المسلمون مكة منتصرين، أعلن الرسول الكريم العفو العام عن أهلها، في موقف جسد قوة القيادة القائمة على المبادئ، حيث اجتمع الحزم مع الرحمة في لحظة تاريخية فارقة.
وفي تاريخ المسلمين أيضاً مثال آخر على قوة الإرادة المستندة إلى الإيمان، وهو معركة عين جالوت التي وقعت في رمضان عام 658 للهجرة. في تلك المرحلة كان المغول قد اجتاحوا مناطق واسعة من العالم الإسلامي، وكان يُنظر إليهم على أنهم قوة لا يمكن إيقافها، لكن المسلمين تمكنوا من إيقاف هذا الزحف في معركة تاريخية أعادت الثقة للأمة وأثبتت أن الإرادة والعقيدة يمكن أن تصنع تحولاً كبيراً في مسار التاريخ.
إن استحضار هذه المحطات التاريخية لا يعني إسقاطها حرفياً على الواقع المعاصر، بل يهدف إلى التذكير بالقيم التي شكلت قوة الأمة عبر القرون، وهي قيم الصبر والثبات والثقة بالله مع العمل الجاد والأخذ بالأسباب. وهذه القيم نفسها هي التي تحرص القيادة الإماراتية على ترسيخها في المجتمع، باعتبارها أساس الاستقرار والتنمية وبناء المستقبل.
وفي ظل التحديات التي تشهدها المنطقة والعالم، من تحولات سياسية إلى صراعات جيوسياسية وتغيرات اقتصادية متسارعة، تصبح الحاجة إلى القيادة الحكيمة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالقيادة التي تستند إلى منظومة أخلاقية واضحة تكون أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الصعبة وتحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والاستقرار الإقليمي.
ومن هنا يمكن فهم العبارة المنسوبة إلى الشيخ محمد بن زايد باعتبارها رسالة ثقة للشعب الإماراتي بأن الدولة تمتلك من القوة والعزيمة ما يمكنها من مواجهة التحديات بثبات. فهي تعبير عن روح الصمود التي تستمد جذورها من الإيمان العميق بالله ومن الإيمان أيضاً بقدرة الإنسان على البناء والعمل وتحقيق الإنجازات.
إن دروس التاريخ تؤكد أن الأمم التي تتمسك بقيمها وتستمد قوتها من عقيدتها تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص. وكما كان شهر رمضان عبر التاريخ شاهداً على انتصارات كبرى للمسلمين، فإنه يظل أيضاً مناسبة لتجديد الإيمان واستحضار معاني الصبر والثبات والعمل من أجل المستقبل.
وفي نهاية المطاف، تبقى قوة الدول الحقيقية في وحدة شعوبها وثبات قيادتها وتمسكها بقيمها. فعندما يجتمع الإيمان مع الإرادة والعمل، يصبح الطريق نحو التقدم أكثر وضوحاً، وتصبح التحديات مهما كانت كبيرة مجرد محطات في مسيرة البناء والإنجاز.
قوة العقيدة والقيادة في زمن التحديات
11 مارس 2026 01:23 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 مارس 01:23 2026
شارك