جميل مطر
نشأت في أحضان أب يشجعني على الخروج في رحلات مع أقران من أبناء الحي أو مع رفاق في فرق الكشافة والجوالة. كنا في أوائل سنوات المراهقة عندما خططنا وحصلنا على موافقات أولياء أمورنا ونفذنا سلسلة من رحلات النهار الواحد. نجتمع في الفجر وننطلق قبل بزوغ الشمس ونعود مع غروبها.
لم تتوفر لنا خرائط أو ما شابه. ضعنا مرات وجرى اعتقالنا قرب أحد المعسكرات واتصلوا بأهالينا ليتسلمونا من المعادي مرة ومن المعصرة مرة أخرى وكنا لجأنا لمعسكر قريب منها. لم أكن تجاوزت الخامسة عشرة عندما رحلتني الشرطة أنا ورفاقي في أكثر من رحلة إلى قسم السيدة زينب لنجد الأهل في انتظارنا.
*كنت أتمنى لو بقيت في الهند مدة أطول حتى تتاح لي فرصة صعود أعلى في الهيمالايا. يهمني قبل أن أستطرد في الحديث عن تجربة من تجاربي العديدة في الهند أن أصرح بأن حبي للهند لا يتأثر بوجود السيد مودي على قمة السلطة السياسية في نيودلهي.
كنت، قبل انقطاع السرد، أحاول الكشف عن أمنيتي أن تطول مدة عملي بالهند حتى تتاح لي فرصة صعود أعلى جبل في الهيمالايا. أعلى ما أمكنني الوصول إليه كان في سفوحها وكانت هي نفسها مرتفعة عن معظم مستويات ارتفاع سهول بقية الهند.
*كنت هناك في العاصمة دار السلام في مهمة رسمية وقوبلت بحفاوة استغربتها لشاب في مثل عمري ومكانتي الدبلوماسية المتواضعة، وقبل نهاية مهمتي استطعت تدبير الانضمام إلى مجموعة من السياح هدفها مثل هدفي ألا وهو الاقتراب قدر الإمكان من الجبل البركاني الذي تتوّجه هذه القمة البيضاء الرائعة الجمال، كما ظهرت لنا في الفيلم الذائع الصيت بعنوان «جليد كليمانجارو» ومثل فيه غريغوري بيك معشوق أبناء وبنات جيلي ومعه سوزان هيوارد عن قصة للكاتب الأمريكي إرنست هيمنجواي.
* لم يكن المقطم هو القمة الوحيدة المتواضعة بين كل ما رأيت من قمم متواضعة، إذ تطل على دمشق قمة جبل قاسيون، ولعله الجبل الذي تناقلت الأساطير أسراره أكثر من أي جبل متواضع آخر. هناك في جبل قاسيون تقع المغارة التي يقال إن هابيل قتل فيها شقيقه قابيل ودماءه تلطخ بعض جدرانها.
يعنيني الآن أكثر من سيرة جبل قاسيون حال دمشق. زرتها مرات عديدة لا تحصى، وعرفت من أهلها أكثر مما عرفت في أي عاصمة عربية أخرى، وسمعت منها وعنها حكايات بعضها يعود إلى أيام بيزنطة وفتح إسبانيا وأكثرها عما فعلته «الشام» بنا وبنفسها. أما عن نفسي فأعترف بكل الصراحة الممكنة بأنني ما أزال، رغم كل التطمينات الواردة من هناك، غير مطمئن لحالها. أرادوا بها شراً فوقع وبقي ولم يغادر إلا أقله.
أقول قولي هذا وكل سمعي وبصري هناك عند نقطة المصنع على الحدود مع لبنان. مرة أخرى ضمن مرات عديدة رأينا أفواج النازحين تتحرك من ناحية في اتجاه الأخرى. تهدأ يوماً أو يومين ليتاح لأفواج أخرى أن تتحرك كهدير بحر هائج في الاتجاه المعاكس. فعلوا بلبنان ما سبق أن فعلوه، ويفعلون -وإن بشكل مختلف- بسوريا واليمن وليبيا والسودان والعراق وإيران، وبه يهددون مصر وتركيا في سنواتهما الآتية.
أشعر بضمير قد يتأذى لو أنني توقفت عن الاستمرار في سرد حكايات عن مرتفعات في آسيا تعرفت عليها دون أن أحكي عن تلال شمال غرب بكين التي شيد فوقها جانب مهم من سور الصين العظيم، وقد زرته أكثر من مرة في رحلات لنهار يوم الأحد في صحبة الزميل الغالي نزار قباني والسفير حسن رجب. السور في حد ذاته معجزة بكل المعايير وبخاصة هذا الكنز الرائع من الأساطير التي سجلها الصينيون على امتداد العشرين ألف كيلومتر طول السد من شاطئ المحيط في أقصى الشرق إلى صحراء جوبي العظمى في أقصى غرب الصين.