يروي ليوناردو دافنشي حكاية صغيرة أشبه بطرفة في كتابه (الأعمال الأدبية - ترجمة: أمارجي).. يقول: «رأى أحدهم سيفاً كبيراً معلّقاً على خصر رجل، فقال له: يا لك من مسكين، منذ عهد بعيد وأنا أراك مُوثَقاً إلى هذا السلاح، لماذا لا تفكّ وثاقك، وتحرّر نفسك ما دمت طليق اليدين؟ أجاب الآخر المسلّح: ليس هذا من شأنك، علاوة على أن ما تقوله قديم وَبالٍ.. ملدوغاً بهذا الجواب ردّ المتحدّث الأول قائلاً: لطالما عهدتك قليل المعرفة بشؤون هذا العالم، فحسبت أن أي شيء قد أقوله لك سيكون جديداً عليك».
كتب دافنشي، عن الطيور، والحيوانات، وله مؤلفات رمزية، ونبوءات، واستهلالات، وله مقالات في الكيمياء، وتعليم الرسم، والوصف، وبخاصة وصف الطوفان، وكتب شعراً في المعرفة وفي الحكمة، ويعرف في الجغرافيا والملاحة، والنبات، ووضع مخططات لكنائس، وخرائط، وأسلحة، وصوّر آلات طائرة، وصمّم عربات قتالية، وله مخطط منجنيق، وله نصوص موجزة مكثفة في مزج الألوان، .. وبالطبع، قبل وبعد كل هذا هو رسّام ونحّات، وكل هذه الكينونات الأدبية والإبداعية والفكرية والعلمية تسير في شخصيته على نحو متوازٍ كأنه كُلٌّ في واحد، وهو كذلك إذا قرأته بهدوء وقد تخففت قليلاً من كينونة الرسّام فيه وكأنها هويته الفنية الوحيدة، بل، إذا أردت حقيقة هذا الرجل الذي يقترب من صورة الأسطورة، فإنه رسّام في كل ما يفعل.
يقول دافنشي: «إن أعمالي إنما هي ثمار التجربة النقّية والخالصة، تلك المعلّمة الكبرى. هذه القواعد كافية لجعلك قادراً على تمييز الأصيل من الزائف. الشيء الذي من شأنه أن يُمكِّن الإنسان من رؤية الأشياء المعقولة فحسب، بدون تطرّف أو مغالاة».
أخطر ما في أعمال دافنشي نبوءاته، وهي ليست نبوءات أو توقعات من يضرب في الرمل أو يقرأ الكفّ أو ينجّم في الغيب. دافنشي ليس نوستراداموس، ولا يجلس إلى بخور وعفاريت. بل، عُد إلى نبوءاته، واقرأها جيداً، وقد كان ما جاء فيها قبل مئات السنوات.. يقول: سوف يمتلئ الفضاء بسلاح متوحشة مُجَنّحة تغير على البشر والحيوانات، ويقول: الأعمال المصنوعة بيد الإنسان سوف تصنع موته، والغريب هنا أنه يحدّد أماكن ومناطق بعينها وهو يواصل استشرافاته التي بعضها ربما نراه رأي العين في زمننا هذا، يقول: «جميع البشر سوف يجدون ملاذهم في إفريقيا، وسوف تجيء ظلالات من الشرق، تطمسُ بظلمة دامسة السماء التي تغطّي إيطاليا».
والله أعلم.

[email protected]