من علامات تحوّل الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران إلى مأزق، ما تشهده من حالة ارتباك وتصريحات متناقضة بين أطراف الصراع، تؤكد مجدداً أنها حرب عبثية ونزوة قذرة لا هدف لها غير تسميم الأجواء الإقليمية وزراعة الفوضى. ومن علامات حالة التخبط في مراكز القرار أن يصدر موقف يشير إلى قرب «انتهاء الحرب»، ينسفه في ذات اللحظة تصريح مزلزل يهدد ب«موجات هجومية واسعة» و«دمار شامل».
بعد أكثر من أسبوعين من تفجر الصراع، يتبين أن المعركة مكلفة لجميع الأطراف لأنها اندلعت بلا خطة مقنعة ولا هدف واضح. ومازال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطلق تصريحاته المدوية عن تدمير كل شيء في إيران ويرغب في انهاء الالتزامات العسكرية سريعاً. أما رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو فهو يطارد أوهامه على طريقته، ويسعى إلى استغلال اللحظة لتفكيك قدرات طهران بشكل نهائي، وفي المقابل فإن إيران «ركبت رأسها» أيضاً، ولم يُبدِ نظامها أي قابلية للسقوط والانهيار، ولا حدث الانقسام الموهوم.
والأسوأ في الوضع كله، أن اعتداءات إيران على دول الخليح، بزعم استهداف مصالح أجنبية، مازالت مستمرة، رغم قرار مجلس الأمن الأخير والدعوات الصادقة إلى الكفّ عن هذا العبث. أما التلويح بورقة الطاقة فيُذكي لهيب هذا الصراع، ويمثل تهديداً خطِراً وتحولاً استراتيجياً يمارس ضغوطاً جيوسياسية واقتصادية مباشرة على دول الإقليم وبقية العالم، وخصوصاً دول الاتحاد الأوروبي وشرقي آسيا وفي صدارتها الصين.
إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز لعبٌ خطِرٌ بالنار قد يأخذ المنطقة والعالم إلى مربع آخر من الصراع. وفي الوقت الذي لا يوجد فيه حل راهن لفتح المضيق وجعل أسواق الطاقة تتنفس، سعى الطرف الأمريكي إلى خنقها أكثر، بعد أن هدد ترامب بضرب البنية التحتية النفطية الإيرانية في جزيرة خرج بشمال الخليج، وأعلن شن «أقوى غارة في تاريخ الشرق الأوسط»، تبين لاحقاً أنها لم تستهدف النفط، بل الأهداف العسكرية في تلك الجزيرة النفطية. وبالمقابل يصر الطرف الإيراني على قطع شريان الطاقة والضغط لرفع كلفة الصراع على العالم.
التلاعب بالألفاظ والمعاني مثل التلاعب بالأسهم والأسعار، كلها تتعمد إرباك المشهد. ومحاولة استخدام النفط سلاحاً في هذه الحرب مرفوض ومدان، وله تداعيات مدمرة على الاقتصاد العالمي الذي تتوالى صدماته منذ جائحة «كورونا» والحرب الروسية الأوكرانية وتوترات الشرق الأوسط إثر العدوان الإسرائيلي على غزة.
واليوم إذا كانت هناك أطراف مسؤولة وتؤمن بالأخلاق والقوانين والمواثيق، عليها أن تسارع بإنهاء هذا العبث وحماية مقدرات دول المنطقة ومصالح شعوب العالم. أما وقف الحرب فهو ضرورة حتمية، ويجب أن تكون الآن وفوراً وقبل فوات الأوان، لأن هذا الصراع الذي يحركه تطرف أعمى، ويسعى إلى توريط المنطقة في مشكلة كبرى، يمثل أكبر تهديد في المستقبل المنظور، وقد يفرض، على دول المنطقة، بعد طيّ هذه الصفحة السوداء، مراجعة كثير من الاستراتيجيات حتى لا تتكرر ذات الأخطاء وسياسات الابتزاز الرخيصة.