علاء الدين محمود

المسرح هو أكثر الفنون الإنسانية ملامسة للواقع، ظل يعبر على الدوام عن حياة الأفراد والجماعات، ويلتقط التفاصيل والوقائع ليصنع منها فعلاً درامياً بأدوات وتقنيات «أبو الفنون»، حيث يكمن تفرده في تركيزه على لعبة مسرحية حية، تجري حكايتها أمام الجمهور مباشرة في تفاعل وانسجام بين الخشبة والجمهور، ولئن كان هذا الفن في الماضي يعتمد على سرد التفاصيل الحياتية للبشر بصورة فيها جانب كبير من المباشرة بالاعتماد على الكوميديا، فإن ذلك الأمر قد تغير كثيراً بفعل تطور الواقع والمسرح معاً.
كان المسرح التقليدي يتكئ على حكاية القصص مع بعض الرموز والإشارات التي تتضمن أفكاراً، إلى جانب الشعر وغير ذلك، ليظهر بعد ذلك المسرح الذهني، أو «النخبوي»، الذي يختلف في أدوات التعبير والمضامين والرسالة، بحيث لا يقوم على فكرة نقل الواقع كما تراه العين، بل عبر القراءة التي تتضمن عمليات التأويل والتفكيك والتفسير، وذلك لأن التعبير عن الحياة أو المجتمع كما هو، هو تورط في التبرير لهذا الواقع، بينما تحمل عملية التأويل رؤى نقدية وربما حمولة من الرفض، وهذا النوع من المسارح هو فضاء للتعبير عن الآراء المختلفة وبث الرسائل ورفع الوعي الاجتماعي والفكري والسياسي.
والواقع أن المسرح التقليدي نفسه لم يكن يخلو من الرؤى الفكرية والمواقف الأيدولوجية لكن التعبير عنها كان تقليديا هو الآخر، كما أن الكوميديا نفسها صارت توظف بشكل مختلف، فاليوم يستفيد (أبو الفنون) من تقنياته نفسها في صناعة العرض الذهني من صورة وسينوغرافيا وما تقدمه التكنولوجيا الحديثة من وسائل وأدوات، وهذا جعل فكرة المسرح نفسها أكثر تعقيداً عن ذي قبل، فالعروض الذهنية أو النخبوية تقوم بتأويل العالم والواقع والمجتمع عبر التجريد والعلامات والرموز، وهناك تيارات برزت مثل العبث والمسرح التجريبي وتعتمد على فكرة تفكيك الواقع اليومي وتحويله إلى رموز، فهو لا يقوم بعرض مشكلة فرد محدد، بل يعنى بأزمة الوجود الإنساني ككل، مما يجعل التأويل أعمق وأشمل.
وتكمن فلسفة المسرح النخبوي في كون هذا الشكل الإبداعي يرى أن الواقع أكثر تعقيداً من أن يختصر في حكاية بسيطة، فيلجأ إلى لغة بصرية وذهنية تحفز المتفرج على بناء تأويله الخاص به الذي ينتج عبر عملية التفكير العميق، وهنا تبرز نقطة مهمة كثر حولها الجدل، فالمسرح الذهني ليس موجهاً نحو نخبة خاصة من المثقفين، بل يعمل على رفع الوعي والذائقة بحيث يجعل المتلقي جزءاً من فعل التأويل نفسه.
كما أن عروض المسرح الذهني تركز على ما وراء الأحداث والظواهر المختلفة، أي الصراعات الفكرية والنفسية التي لا تظهر في التصرفات اليومية العادية، وهو ما يعتبره البعض واقعاً أشد صدقاً من الواقع الملموس، فالمسرح النخبوي يسعى إلى إعادة صياغة العالم عبر تأويله.
[email protected]