في هذه الحرب الأمريكية مع إيران يبدو المشهد متناقضاً، استطلاعات الرأي من معاهد متخصصة في الولايات المتحدة تقول إن نصف الأمريكيين يعارضونها، ومع ذلك تستمر الإدارة في قراراتها، كأنها منفصلة عن المزاج الشعبي، هنا يتجلّى مأزق الديمقراطية: الشعب يملك الصوت الانتخابي، لكن المؤسسات تملك قراراً تنفيذياً عكس رغبة الأغلبية.
هذا التناقض ليس جديداً، بل هو جزء من البنية العميقة للديمقراطية الحديثة، التي لا تقوم فقط على حكم الأغلبية، بل على شبكة من المؤسسات التي ترى نفسها مسؤولة عن «المصلحة العليا»، حتى لو تعارضت مع إرادة الناس، والرئيس الأمريكي، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يمتلك صلاحيات واسعة في السياسة الخارجية، و«الكونغرس» كثيراً ما يترك مساحة رمادية، تسمح له بالتحرك دون إعلان الحرب رسمياً.
هنا يعيد الإعلام صياغة السردية، فيقدم التدخل العسكري باعتباره دفاعاً عن الأمن القومي، بينما تنحصر المعارضة في مجرد أرقام في استطلاعات رأي لا تقدم ولا تؤخر، إلا إذا تحولت إلى ضغط منظم وفعال، وهذا يحتاج إلى وقت طويل وإنفاق كبير، لا يتوفر في اللحظة الآنية.
وقد تناول الفلاسفة السياسيون هذا المأزق منذ قرون، جان جاك روسو كان يرى أن الديمقراطية الحقيقية هي الإرادة العامة، وأن أي انحراف عنها هو استبداد باسم الشعب، ولا معنى لديمقراطية تتخذ قراراتها بمعزل عن الأغلبية، وحذّر توماس جيفرسون من أن المؤسسات إذا لم تُحاسب باستمرار، فإنها تتحول إلى أدوات للنخبة ضد المواطنين، وهو ما يجعل الديمقراطية عرضة للتحول إلى حكم نخبويّ مُقنَّع، أما الكسيس دو توكفيل، وهو مفكر ومؤرخ فرنسي اهتم بالتجربة الديمقراطية الأمريكية بشكل خاص، فقد لاحظ أن الديمقراطية الأمريكية تحمل في داخلها بذور التوتر بين الحرية الشعبية والسلطة المؤسسية، وأن هذا التوتر قد يصنع أزمات مؤقتة كل فترة.
ويقدّم لنا التاريخ أمثلة، كما حدث في حرب فيتنام، إذ كانت المعارضة الشعبية واسعة لسنوات ولم تستطع أن توقف الحرب، إلا بعد أن تراكمت في تظاهرات ضخمة وضغوط سياسية وإعلامية أجبرت الإدارة على التراجع بعد خسائر بشرية ومادية كبيرة، أما في حالة العراق فلم تفلح المعارضة الشعبية؛ لأن المؤسسات أعادت صياغة الحرب باعتبارها دفاعاً عن الأمن القومي، فغلب القرار السياسي المزاج الشعبي.
الديمقراطية في الممارسة هي نظام مزدوج: شرعية شعبية عبر الانتخابات، وسلطة مؤسسية، وعندما تتعارض الاثنتان تميل الكفة غالباً إلى مؤسسات الدولة.

[email protected]