..مُشْرقة، وَمُرَكّزة، تلك الكتابة الاحتفائية التي نقرؤها بأقلام كبار يكتبون عن كبار.. ماذا تتوقع مثلاً أن يكتب بابلو نيرودا عن لوركا؟، .. إنشائيات أو نكات أو طرائف؟، ماذا تتوقع أن يكتب بورخيس عن ماركيز؟؟.. خواطر مثلاً؟، أو ما يمكن أن يكتبه أو يتذكره بيكاسو عن أراغوان في باريس في أثناء إقامته المدهشة فيها.. أيكتب دعابات وسطحيات؟، تلك تساؤلات تتبادر إليك حين تقرأ مقالة بودلير في القاصّ والشاعر الأمريكي إدغار أَلِنْ بو حين قدّمه للقرّاء الفرنسيين قَبل ان يَموت صاحب (الغراب) فوق أحد المقاعد في الشارع عام 1849، وكان عمره آنذاك سبعة وثلاثين عاماً..
الناقدة الدكتورة خالدة سعيد أجمل من نقل (بو) إلى العربية في أواخر ستينات القرن العشرين، ورأت تلك الترجمة التي صدرت قبل أكثر من نصف قرن من الزمان في بيروت أن تقدّم لكتابها ذاك الذي صدر تحت عنوان (مغامرات وأسرار)، ويضم 21 قصة قصيرة لإدغار ألن بو بمقالة بودلير عن (بو)، ورأت أن بودلير هو أفضل من يقدم (بو) للعرب، كما قدّمه للفرنسيين.
يكتب بودلير عن (بو).. «رغم أنه كان صغير البنية، مرهف الملامح، فقد كان أكثر من قويّ، وكان البأس يتفجّر من قسماته»، وفي مكان آخر من تلك المقالة النادرة يقول: كان سلوكه مزيجاً من الكبرياء والعذوبة الوادعة، وكان كل شيء فيه يشير إلى أنه كائن مُنتقى.
يكشف بودلير، وربما للمرة الأولى في تاريخ وحياة إدغار ألن بو أنه وضع مشاريع كثيرة لزخرفة البيوت وتأثيثها، ووضع تصاميم لبيوت ريفيّة وحدائق، ومخططات لتحسين الريف الفرنسي وتجميله..
وهكذا كان بودلير، على العكس تماماً من الصورة النمطية السلبية التي صوّرها لنا بعض المترجمين العرب ليختزلوا حياته في وضع بشري ممزّق وضائع.
ينقل بودلير عن سيرة تدعى (فرانسيس أُوسغود)، وهي إحدى صديقات (بو) قولها في رسالة لها أنها كانت دائماً ترى (بو) مثالاً للأناقة والامتياز وشرف النفس، وتضيف أيضاً أنه كان مرحاً، عاطفياً، روحيّ النزعة، وديعاً تارةً، شيطاناً تارةً كطفل مدلل..
ويرى بودلير أنه لا يوجد حب في قصص (بو) «..بالمعنى الخالص لكلمة حب، ولعلّه كان يعتقد أن النثر ليس لغة في مستوى هذه العاطفة الخارقة (أي الحب) التي يكاد يستحيل التعبير عنها، في حين أن شعره على النقيض، كان مشبعاً، مملوءاً بالحب.. الحب في شعره رائع، مكوكب، تغطّيه دائماً كآبة لا شفاء منها..».
أيضاً وضع بعض المترجمين العرب إدغار ألن بو في مربع مضغوط بالضياع والانكسار، فيما هو في عين بودلير: صاحب عدة أدبية معجزة..
[email protected]