عبدالله السويجي
لعل الكتابة في زمن الحرب من أصعب الوظائف التي يختارها الكاتب السياسي أو الأديب، وتكمن صعوبتها في اللغة التي يجب أن تكون دقيقة جداً ولا تحمل معنيين، فاللغة الإيحائية في الكتابة السياسية أو اللغة الرمزية في العمل الأدبي محفوفة بالمخاطر، ففي الأولى، ستأخذ صاحبها إلى عوالم غامضة، بينما الحرب مباشرة وواضحة، وفي الثانية، إذا لم تكن ناضجة ومنطقية ستأخذ صاحبها أيضاً إلى صدامات غير محمودة، لأن الكاتب لا يعرف المزاج النفسي للمتلقي في زمن الحرب، وأي تأويل خاطئ قد يضع الكاتب في خانة العمالة أو العنصرية أو أي اصطفاف آخر. من هنا تولي وسائل الإعلام أهمية كبيرة للغة المستخدمة في التحليل ونقل الخبر أو المشهد، فالكتابة في زمن الحرب لا تحتمل وجوهاً كثيرة، لأن المتلقي يعيش بأعصاب مستنفرة.
لقد هربت هذا المساء من المتابعة الخبرية للأحداث ومن اللغة المباشرة جداً وغير المطمئنة للمحللين، لاسيّما لغة المحللين في الخارج، وأجريت حواراً مع الذكاء الاصطناعي، هذا الذكاء الذي تكتشف سطحيته أحياناً، وهذا غير مستهجن، لأنه اصطناعي وغير إبداعي، لكنه مسلٍّ. وفي الواقع لم ألجأ إليه للتسلية في زمن الحرب، ولكنني طرحت عليه مجموعة من المحاور والهواجس والآمال بالنسبة للحرب ودول المنطقة، أي دول مجلس التعاون الخليجي، وتعمّدت ألا أكون مباشراً وعدوانياً وصادماً ومعارضاً، فحين تتحدث مع الذكاء الاصطناعي، وإن كان من دون عواطف، إلا أنّ عليك التحلّي بالفطنة والأدب والموضوعية، وإلا وبّخك بطريقة أدبية ستكتشفها مباشرة، وقد تبتسم، لأنك ستشعر أنك أمام كائن لديه مشاعر وأحاسيس ونوايا.
لقد حاولت استدراجه بموضوعية ليتحدث لي عن دول مجلس التعاون الخليجي، ولدهشتي كان خليجياً أكثر مني، ولديه ثقة عالية بالقدرات. وحاولت الإيقاع به واستدراجه ليتحدث عن نقاط الضعف لدينا وكيفية تجاوزها أو تطويرها، وكان دقيقاً وحكيماً، وأسلوبه أعادني إلى العنوان، الكتابة في زمن الحرب. لقد حاول الإبقاء على معنوياتي عالية جداً، وعلى ثقتي بقدرات دول المنطقة، وحين حدّثته عن الإمارات، شعرت أنه يقول لي إن الوضع مختلف في الإمارات: أولاً لأنها دولة قائمة على فكرة الوحدة، وشعبها مؤمن بالوحدة ويعتبرها قيمة مصيرية، وقال إن هذه الفكرة مبعث قوة وعزم، والإنسان الإماراتي سيتصدى بكل ما أوتي من إمكانات لأي خطر يهدّد وحدة البلاد، لأن قوتها تنبع من وحدتها وتآزرها.
وطرحت أمامه فكرة لئيمة، يتداولها البعض وهي أن الإنسان الخليجي إنسان مرفّه، وغير قادر على الصمود والصبر في أوقات الحرب، فقال إن الإنسان الخليجي والإماراتي بشكل خاص يدافع عن قيمة وليس عن امتيازات، ولديه تاريخ طويل من الحياة غير المرفّهة، ولا تزال الأجيال المعنية حيّة وتسرد روايتها مع البحر وشظف العيش ومواجهة التحديات، أي أن الإنسان الخليجي والإماراتي لم ينس تاريخه، لهذا سيدافع عن حاضره بقوة، هذا الحاضر الذي يصفه البعض بالمرفّه ويتميز بالرخاء وسهولة العيش، لكنه في الواقع والصميم ليس كذلك، وكما وصفه صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله: (الإماراتي جلده غليظ ولحمته مرّة).
أما المحاور الأخرى المنطقية والرياضية فحدّثني الذكاء الاصطناعي، كيف أن النفط الخليجي يُعتبر الشريان الحيوي الذي يغذي العالم، ومن دونها سيتعرّض العالم لأزمات حادة وقد يتوقّف نموه، لأن كل شاردة وواردة قائمة على الطاقة، وهناك أمثلة تاريخية حول ما حلّ بالدول المتقدّمة حين عانت انقطاع تدفّق النفط. لهذا، فإن أمن دول الخليج من أمن العالم، وهذه نقطة قوة.
لكن هذا لا يكفي كما قال الذكاء الاصطناعي، إذ اقترح تطوير القوة العسكرية والدفاعية، وغمز من زاوية تنويع المصادر، حتى تضمن الدول استدامة تدفق الأنظمة الدفاعية، لكنه لم يحرّض على ترك التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكما قال، بسبب المصالح المتبادلة والأهداف الاستراتيجية للطرفين. وقال، إن دول الخليج، ومن بينها دولة الإمارات العربية المتحدة، تستطيع الصمود وإدارة الأزمة بنجاح نظراً لوضع خطط مسبقة لإدارة الأزمات، وكذلك بسبب توفّر البدائل لو توقّفت بعض المعدات عن العمل. في المجمل، كانت المناقشة مع الذكاء الاصطناعي مطمئنة، وفتحت فضاءات عديدة للحوار والأفكار، لأنه يقترح عليك دائماً أفكاراً بحيث يتجول الحوار إلى ما يشبه العصف الذهني.
الكتابة في الحرب شأنها شأن الرسم في الحرب أو متابعة الحرب، وفي كل الأحوال، كل نشاط هو متابعة، وينصح الخبراء بعدم الجلوس طويلاً أمام شاشات التلفاز أو الموبايل، لأن الأحداث لن تكون بالسرعة التي يتوقّعها المشاهد، وهذا الفن في المشاهدة والمتابعة، يشكّل نقطة قوة، فالمعنويات مهمة جداً، وهي ذات صلة بالجبهة الداخلية، نقول هذا الكلام، لأن الحرب ليست من ضمن توقعات الناس، وليست ضمن ثقافتهم، لكن من المهم أن نتسلّح بثقافة الحرب، وطريقة متابعتها تتعلق بالصمود المجتمعي طويل المدى. وأسلوب المشاهدة ما هو إلا محور ضمن محاور إدارة الأزمة على المستوى الشخصي، وقد نخصّص مقالة منفصلة عن إدارة الزمن في أوقات الحرب. وليحفظ الله الإمارات والخليج.