بينما تتهجى السماء حروف النار القادمة من طهران، كأنها تريد أن تكتب تاريخ المنطقة بالنار لا بالحكمة، تقف على الضفة الأخرى دول ارتأت أن تبقى في وضع الدفاع عن أرضها وأمنها وشعبها، ليس ضعفاً في القرار أو في اللوجستيات، بل لأن الحكمة أحياناً لا تُقاس بما تفعله، بل بما تختار ألا تقع فيه.
وبعد أسبوعين من العدوان الغاشم، بدا الفرق واضحاً بين من يطرق الأبواب بالنار، ومن تُطرق أبوابه بالثقة، بين طرف يهدد المنطقة، وآخر يُحكِم عقله في لحظات المحك ليقود المنطقة نحو بر الأمان.
في قلب هذا الاختبار القاسي، لم تعد اللغة حكراً على البيانات الرسمية، بل تولّت التفاصيل الصغيرة سرد الحكاية. لم يكن الأمر انطباعاً عابراً، بل معطيات تتكئ على أرقام وسلوك سياسي يمكن قراءته. أكثر من مئة اتصال دولي تلقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، خلال فترة وجيزة، من عواصم متباعدة في مصالحها ومتشابهة في قلقها، وكأن العالم، في لحظة توتره، كان يبحث عن نقطة توازن لا عن طرف إضافي في معادلة التصعيد.
هذه الاتصالات لم تكن مجاملات دبلوماسية، بل انعكاس لثقة متراكمة، فالدول لا ترفع سماعاتها نحو الفراغ، بل نحو من تراه قادراً على الفعل دون تهور، وعلى التأثير دون ضجيج. وحين تتقاطع خطوط الهاتف عند قيادة واحدة، فذلك لا يعني فقط حضوراً سياسياً، بل يعني موقعاً وظيفياً في إدارة الأزمات.
وفي وقت لوّح فيه أحدهم بورقة المضائق وتهديد الممرات، واستهداف المنطقة بالصواريخ استقبلت العاصمة أبوظبي قادة ومسؤولين من اتجاهات مختلفة: من الأردن، وإثيوبيا، ومصر، وصولاً إلى مبعوثين من شرق آسيا لتؤكد المعنى ذاته: قوة الاحتواء لا الاستعراض، وقوة الجاذبية لا الدفع. فالدول التي تُخيف العالم تُحاصر نفسها، أما التي تطمئنه، فيُعاد رسم العالم حولها.
وهكذا، في زمن ازدحمت فيه السماء بالحديد، ازدحمت الأرض بالإشارات الهادئة. هناك من يقيس حضوره بعدد ما يطلقه من صرخات، وهناك من يُعرف وزنه بعدد الأبواب التي تُطرق عليه عند اشتداد الخطر. الأولى تحاول جرّ العالم إلى حافة الهاوية، والثانية تُمسك بيده كي لا ينزلق.
وبين صرخة عابرة ورصانة مستمرة، لا يعود المعنى بحاجة إلى إعلان. فالثقة، حين تُوزّع في لحظات القلق، لا تخطئ طريقها. وينكشف الفارق دون حاجة إلى بيان:
من يكتب بالنار... يقرأه العالم كخطر
ومن يطفئها... يُقرأ كضرورة.
آخر الكلام
بين النار والثقة
18 مارس 2026 01:57 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 مارس 01:57 2026
شارك