عثمان حسن

تلعب الألوان دوراً جوهرياً في تشكيل ثقافات الشعوب، إذ تعبر كل حضارة عن رؤيتها للعالم، من خلال منظومتها اللونية الخاصة التي تتجذر في العادات والمعتقدات الشعبية، وقد تجلى ذلك بوضوح في التقاليد الفنية الزاخرة في الشرق الأوسط، فمن فسيفساء البلاط المتقنة والسجاد الفاخر، إلى فن الخط والمخطوطات المزخرفة، حيث يلعب اللون دوراً محورياً في التعبير الفني هنا، وهذه الألوان ليست مجرد زينة، بل تمثل رمزية عميقة، وتعبر عن معتقدات روحية وقيماً ثقافية وسياقات تاريخية، كما لا يتم اختيارها في الشرق العربي والشرق الأوسط بوجه عام بطريقة عشوائية، فلكل لون طبقات من المعنى، وهي غالباً ما ترتبط بالدين والطبيعة والتقاليد.
وسواء استخدمت الألوان في العمارة أو المنسوجات أو اللوحات، فإنها تنقل قصصاً ومعتقدات ومشاعر، وقد كان على الدوام ثمة تأثيرات رمزية عميقة لهذه الألوان في الجماليات الإسلامية، التي تركز على الهندسة والتوازن والانسجام، حيث استفادت هذه الجماليات من المناظر الطبيعية كالألوان الترابية وتلك الألوان النابضة بالحياة.
يعد اللون الأزرق من أهم الألوان المستخدمة في فنون الشرق الأوسط، فهو يرمز إلى السماء والفضاء اللامتناهي، وقد يرمز إلى السلام والسكينة، أما في الثقافة الغربية فيعد رمزاً للثقة، والهدوء، والاحترافية.
أما الأزرق في الثقافات الإفريقية، فهو رمز عميق للسلام والوئام والحب، والوحدة، وفي سياقات أخرى يرتبط بالحماية والقوة الروحية، ويرتبط بكثير من التمثيلات التاريخية والطقوسية، ففي غرب إفريقيا على سبيل المثال يرمز استخدام النيلة الزرقاء إلى نهر السنغال، وهو الذي يربط اللون بالهوية الجغرافية والطبيعة.
يعد اللون الأحمر في الثقافة الصينية رمزاً أصيلاً للحظ السعيد، والرخاء، والفرح، والاحتفال، وهو يمثل طاقة النار. كما يستخدم بكثافة في حفلات الزفاف، ورأس السنة الصينية، ويزين الفوانيس والملابس، كما يستخدم في «المظاريف الحمراء» وذلك لطرد الأرواح الشريرة، وهو في الاستخدامات اليومية يزين الزفاف الصيني التقليدي، حيث ترتدي العروس اللون الأحمر، ويستخدم في الفوانيس والملابس.. وهكذا.
من هنا، تختلف دلالات الألوان بشكل جذري بين الثقافات، حيث تعد رموزاً اجتماعية ونفسية، وليست مجرد تمييز بصري. ففي حين يرمز اللون الأحمر إلى القوة والحيوية في بعض الثقافات، ها هو يعكس الحزن أو الخطر في ثقافات أخرى، وهذا التنوع في الدلالات يجعل من دراسة ثقافة الألوان مدخلاً أساسياً لفهم الفن التشكيلي العالمي، حيث يستلهم الفنانون من رموز ألوانهم المحلية، لبناء أعمال تعبر عن الانتماء والهوية، وتفتح في الوقت ذاته حواراً بين مختلف الثقافات والشعوب.

[email protected]