بدأت الحرب الحالية في الثامن والعشرين من فبراير/ شباط الماضي، ثم ما لبثت أن تطورت وتصاعدت. ويقول المتابعون إن الحرب اندلعت على أثر فشل المفاوضات حول المفاعلات النووية والقدرات الصاروخية البالستية الإيرانية، وكان الفشل خلال ثلاث جولات متتالية بدأت مع أول فبراير/ شباط.
وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تكن طرفاً في المفاوضات إلا أنها كانت شريكاً رئيسياً في الحملة العسكرية، وبذلك تكون من بين اللاعبين الرئيسيين في سياسات الشرق الأوسط، أما الهدف الآخر الذي كان يقلق إسرائيل فيتمثل في الصواريخ البالستية الإيرانية، وربما كان ذلك يعوق تفرّدها بالقوة في المنطقة العربية، لهذا تقاتل بشراسة إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية للقضاء على القدرات العسكرية الإيرانية.
وهناك هدف آخر ورئيسي لم يُعلن عنه بشكل مباشر، وتشترك فيه الولايات المتحدة وإسرائيل هو تغيير النظام في إيران، وبشكل أدق، تغيير النظام الديني، وربما العودة إلى نظام الشاه، الذي كانت تربطه علاقات جيدة مع إسرائيل.
لا نعتقد أن فشل المفاوضات كان سبب اندلاع الحرب، ولو عدنا إلى سنوات سابقة من تاريخ التفاوض الأمريكي الإيراني، سنجد أنه في عهد الرئيس باراك أوباما، فشلت المفاوضات ثلاث مرات أيضاً قبل توقيع الاتفاق النووي في 2015، لكن أوباما لم يشن حرباً مدمّرة على إيران كما يفعل الآن دونالد ترامب، والسبب ليس اقتراب إيران من حيازة القنبلة النووية، لكن لأن الضغوط الإسرائيلية وصلت إلى أعلى سقف لها، ومن المعروف أن إسرائيل هي التي أدخلت بند الصواريخ البالستية ضمن المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وذلك لإضعافها أولاً، والتأثير في أذرعها العسكرية في لبنان واليمن والعراق ثانياً، ولهذا، تشمل الحرب الآن الحشد الشعبي العراقي وحزب الله اللبناني، مع الإشارة إلى أن حزب الله هو الذي فجّر الحرب مع إسرائيل مساندة لإيران، وربما إيران هي التي طلبت من الحزب المشاركة، ولو كانت حماس لا تزال تمتلك القوة العسكرية لشاركت هي الأخرى، لأن التنظيمين يتم تمويلهما من إيران، ولو فكّر الذراعان قليلاً سيجدان أن مشاركتهما لن تقدّم ولن تؤخر في مسار الحرب، إلا معنوياً فقط.
بعض المحللين يقولون إن الحرب الحالية عبثية أو أصبحت عبثية، لكنها ليست كذلك على الإطلاق، لأنها أثبتت أموراً كثيرة، أولاً، لم تعد الولايات المتحدة تتحمل المزيد من المشاكسات السياسية وتحدي القوة، فمنذ عام 1979 والحساسية السياسية والمناكفات على أشدها بين الولايات المتحدة وإيران، ويبدو أن الوقت أصبح مواتياً لينفجر الصراع، لكن يجب ألا ننسى الدور الإسرائيلي المشجع على الحرب.
ثانياً، أظهرت الحرب نوايا إيران العميقة تجاه المنطقة، ولا أعلم كيف أصفها، لكنها بالتأكيد تتجاوز الحسد والغيرة وضيق العين، نحو مصالح اقتصادية، وصراع نفوذ على الممرات المائية والثروات البترولية في المنطقة، لهذا، ما إن اشتعلت الحرب حتى بدأت إيران توجه مسيراتها وصواريخها نحو المرافق الحيوية والمؤسسات النفطية في دول الخليج، ما يعني أن غضبها لم يكن فقط بسبب وجود قواعد أمريكية في المنطقة، ومن الملاحظ الآن أنها توقّفت تقريباً عن استهداف القواعد العسكرية الأمريكية، وتفرّغت لمصافي النفط وشركات الغاز في المنطقة، بل واستهداف مرافق مدنية.
المحللون يقولون إن تكثيف إيران هجماتها ضد دول الخليج يأتي للضغط على دول المنطقة لتتوسط عند الولايات المتحدة لإيقاف الحرب، وهو منطق مرفوض عسكرياً وحضارياً وإنسانياً، حتى في القانون الدولي العام، يُمنع استهداف المناطق المدنية ومؤسساتها خلال الحروب، لكن إيران، كما يبدو، تجاوزت الخطوط الحمر، والمثير للسخرية أن رئيسها يصرّح قائلاً إن علاقات بلاده جيدة مع دول الخليج. لكن التصريح شيء والفعل شيء آخر.
هذه الحرب ليست عبثية، لأنها كشفت أوراقاً كثيرة في مسألة التحالفات، كشف الصداقات الحقيقية من الزائفة، ومحبة البعض من خبثهم، والحليف الحقيقي الذي يشبه الصديق الحقيقي. والأهم من كل ذلك، كشفت معدن الإنسان الإماراتي والمقيمين على أرض الإمارات، وأزاحت الستار عن حقيقة الولاء والانتماء والارتباط الوجداني والعاطفي والوطني بهذه الأرض المعطاء، وقد رأينا جميعاً كيف كان موقف والد الصبية آلاء نادر عوني التي توفّيت خلال الحرب، وكيف كان حجم التآزر من قبل المسؤولين والمواطنين. لقد تأثرت شخصياً بالحادثة والمشهد ووقوف الدولة إلى جانب أسرة المتوفاة، وشجاعة الأب وصبره وولائه وانتمائه لدولة الإمارات العربية المتحدة، وهي قصة نموذج لكل من يشكك في مصداقية المقيمين.
هناك قصص كثيرة فردية وجماعية ودولية ستظهر بعد انتهاء المعارك، غطّت عليها الأحداث الساخنة، من بينها الإجراءات والتسهيلات التي قدّمتها الدولة لفئات كثيرة وشرائح أكثر، إن كان بشأن الإقامات أو الخدمات أو الإجلاءات، وهذه الأخيرة مهمة جداً، فهناك خبر يقول إن الدولة استطاعت إجلاء نحو 600 شخص من حملة الإقامة الذهبية، وقصص أخرى مشرفة وثمينة. حفظ الله الإمارات من المحن ما ظهر منها وما بطن...
الحرب ليست عبثية
23 مارس 2026 00:28 صباحًا
|
آخر تحديث:
23 مارس 00:28 2026
شارك
