يعرف الإماراتيون، وبخاصة الكبار منهم في السن، ظاهرة بحرية بيئية يطلق عليها في اللسان الشعبي الإماراتي «حيض البحر»، وحين يحيض البحر، فهو يلقي إلى الشاطئ كل ما يحتويه من مخلفات وأخشاب، وأعشاب، وكائنات نافقة، وبكلمة بسيطة يقوم البحر بتنظيف نفسه كما لو أنه يستحم، أي أن الماء يستحم بالماء في ظاهرة الحيض هذه التي راقبتها العين الشعبية، وأعطتها هذا التوصيف المحلي الذكي الذي يحيل إلى التطهر والنظافة والنقاء..
مطر الخير والبركة على الإمارات في هذه الأيام ينظف سماءها وأجواءها من تلوث المسيرات والصواريخ، ويعيد الحياة إلى صفائها وطفولتها. هدية من الله ومن السماء، .. السماء التي خلقها رب البلاد والعباد للهواء الطلق، والغيم، والطير، ونور الشمس.
مطر على البيوت والشجر والبحر. مطر على وجوه الناس وعلى قلوبهم وأرواحهم المسبحة باسم الله.
شتاء رزق، وطمأنينة، واكتفاء على الإمارات يرمز إلى الطهارة والنمو والتجدد والولادة في مقابل رمزيات المسيرة والصاروخ وثقافتهما البائسة والمحبطة. ثقافة الحرب التي هي ثقافة الفاشل واليائس...
أجد في المطر معنى التفاؤل، والتخلص من أدران الأرض ومن صفارها وأحقادها، تماماً، مثلما يتخلص البحر من الجثة والجيفة والحطام، وكأن الطبيعة تريد القول للإنسان: تعلم مما حولك، تعلم مني، من الماء الذي خلق الله منه كل شيء حي.
أجد في المطر الشيء الحي، والكائن الحي، والروح الحية، وأجد فيه روح الأحياء، لا همود الموتى، وغلبة الشيطان على تاريخهم وذاكرتهم.
أجد في المطر نقيضاً للنار، وأجد في المطر معنى السلام الذي هو نقيض العنف والسطوة والنفوذ، وأجد في الماء سردية غنائية مناهضة لخطاب الاستحواذ والقوة والسيطرة.
أجد في المطر ما يجده المؤمن من يقين وثبات وصبر وصمود. قطرة ماء فوق قطرة ماء تفتت صخرة وتحولها إلى بخار...
يتعلم أهل البحر من الماء، ومن ثقافة الماء.. الغوض يعني الجرأة والاكتشاف، الصيد يعني النجاح، السفينة تعني الرحلة، الشاطئ يعني الانتظار، الميناء يعني العودة.. القاع يعني السر واللؤلؤة، الموجة تعني التحدي، الحيض يعني الولادة..
من كل هذه الإشارات والعلامات تتكون ثقافة الإماراتي وذاكرته.. إنه: النجاح والتحدي والولادة..