جميل مطر

استمرت تطاردني عقدة «جبل» المقطم في مصر، هذا العملاق بالنسبة لسكان سفوحه وما تحتها في الجمالية والدراسة أو بعيداً عنها في المنيرة وحيّ الحكومة، وكنت أحد هؤلاء السكان. تقدم بي العمر فانتقلت من المراهقة إلى الشباب اليافع وسافرت إلى أصقاع بعيدة ولم يعد المقطم عملاقاً. صرت مع مرور الوقت وتعدد مواقع سكني وعملي أشير إليه بالتل المتواضع مثله مثل تلال كثيرة متناثرة حول مدن سكنتها غير القاهرة.
أذكر أنه بعد أن أتممت مهمتي في شيلي والأرجنتين، وقبل أن أعود إليهما في مهمة من نوع آخر، حدث أن أنتجت هوليوود فيلماً سينمائياً يصوّر سقوط طائرة فوق قمة مجموعة القمم المشكلة لما يعرف بقمة آكونكاجوا (أو بالأحرى الارتطام بها). وقتها ذهبت أكثر التقارير إلى أنها ارتطمت ولم تسقط بحكم أنها كانت تطير على أعلى ارتفاع مقرر لها.
تعمدت في هذه الرحلة الأخيرة إلى هذه القارة الممتعة بفنونها وبأهلها وحكاياتها، أن أتناسى هذه المأساة.
على كل حال، أذكر أننا كنا قبل اقترابنا من هذا المشهد الرائع، والمهيب في الوقت ذاته، كنا كعادتنا في رحلاتنا الطويلة، وتلك كانت أطولها على الإطلاق، ننشغل بمناقشة ما كنا نشترك في التعلق به وهو تخصصنا الأكاديمي المشترك. وقتها كان هنري كيسنجر ملء السمع والبصر، والعقل أيضاً، وكان العالم ينتقل معه بهدوء من نظام القطبين إلى نظام هيمنة القطب الواحد، وإن كنا لم نتوصل وقتها إلى اقترابنا من هذه النتيجة. خرج كيسنجر بأمريكا من حرب طال أمدها باتفاقية مع الفيتناميين وحقق نصراً على الاتحاد السوفييتي بزيارة قام بها مع ريتشارد نيكسون إلى بكين، زيارة هزت أرجاء الكون، وقبلهما كان خارجاً لتوّه من عملية دبلوماسية - عسكرية أوقف بها حرباً بين إسرائيل ومصر وعملية استخباراتية أسقط بها حكومة سلفادور آليندي في شيلي وأقام نظاماً دكتاتورياً يقوده الجنرال بينوشيه.
كنا في واقع الحال هناك، وأقصد أننا كنا في أمريكا اللاتينية، نراقب ونسأل ونناقش الآثار المحتملة لما حققته أمريكا من تغيرات جسيمة على العلاقات الدولية، ولكن بوجه خاص على سلوكيات شريحة مهمة تمثل دول العالم النامي.
ما أشبه الحادث اليوم بما حدث قبل نحو نصف قرن. حدث ويحدث ترقب مصاب بالخوف في معظم عواصم العالم النامي، وبخاصة عواصم الشرق الأوسط، الخوف مما يمكن أن يحدث لها لو أنها لم تصطف فوراً في طابور انتظار ما يتقرر لها. كل الظروف حرجة والعالم، والعرب جزء فيه، متوجه بكل طاقته نحو نظام جديد مجهول الشكل والهوية.
وصلنا وأصرّت زميلتي ورفيقة رحلتي الثالثة، أو لعلها الرابعة، إلى سنتياغو أن نقوم برحلة سياحية إلى أماكن زرتها وتعلقت بها خلال إقامتي القصيرة في شيلي قبل هذه الرحلة بنحو ربع قرن. لم أتردد في الاستجابة وما كان لها أن تصر، إذ كانت بثقافتها الواسعة وذكائها المتوقد وتجاربها في الحياة خير رفيق لرحلة نجوب فيها معاً مواقع أخاذة ونستمع إلى نُتَف تاريخية
أذكر أن برنامج الرحلة، كما صغته أنا وأضافت زميلتي إليه، تضمن زيارة الشقة التي كان يسكنها بابلو نيرودا وكلانا كان من المغرمين بشعره وتفاصيل حياته، لم ينقصنا سوى أن نجلس على مكتب له أو أريكة تطل على المحيط من وراء شرفة في منظر حقاً أخاذ، أو هكذا رأيته على كل حال.
عدت إلى سنتياغو في آخر رحلاتي لأكتشف أن تغيرات كثيرة وقعت في غيابي. وجدت شبان الجالية الفلسطينية مختلفين عن الجيل الأسبق في نواحٍ متعددة. غابت اللغة العربية مع غياب أجيال أسست الجالية وأجيال رعتها. لم يغب التعلق بالوطن السليب، ولم تغب كلمة «البلاد» وإن كان منطوقة بعربية «متعبة» أو صادقة وخفيفة الظل.
المدينة، وأقصد العاصمة، أصابها، خلال غيابي، التحديث الذي أصاب مدناً أخرى في أمريكا الجنوبية.
غاب الكثير، ولم تغب قمم الأنديز المطلة في وقارها وهيبتها، وحنانها، على سنتياغو، المدينة الوديعة.