بأسلوب بسيط، وإيقاع متسارع، تنقلنا جانيت سكيزلين تشارلز في روايتها «مكتبة باريس» (ترجمة دلال نصر الله) بين الماضي والحاضر، بين باريس وبلدة مونتانا الأمريكية، لنتتبع حكايات، محورها الفقد والخيانة والصداقة والمحبة، رواية حقيقية عن القوة الكامنة في الكتب والأفراد، وقد تربعت لأسابيع في قائمة الأفضل مبيعاً.
كتبت جانيت هذه الرواية لمشاطرة معلومات لا يعرفها الكثيرون عن تاريخ الحرب العالمية الثانية، وللتعريف بأمناء المكتبة الشجعان، تقول: أردت استكشاف العلاقات التي تصنعنا، مساعدة بعضنا أو الوشاية عن بعضنا، اللغة باب نفتحه ونغلقه، وكلماتنا تشكل المفاهيم تماماً كما تفعل الكتب التي نقرؤها، ولقصص الحب التي نحكيها لبعضنا ونحكيها لأنفسنا.
يؤمن البعض بأن قراءة القصص التي وقعت خلال الحرب العالمية الثانية، تجعل الناس يتساءلون عما كانوا سيفعلون في تلك المواقف، لكن المؤلِّفة تقول إن السؤال الأمثل هو ماذا سنفعل الآن لضمان توافر المكتبات والتعليم للجميع، ومعاملة الجميع بكرامة ورحمة.
مصادر
في عام 2010 كانت جانيت تعمل بالمكتبة الأمريكية في باريس، وعرفت قصة فريق العمل الجسور الذي عمل في هذه المكتبة في أثناء الحرب العالمية الثانية، وكانت مصادرها كمؤلفة: زميلتها نيادا التي نظمت معارض عن المكتبة خلال الحرب وبعدها، واستشارت أمناء مكتبة في بقاع بعيدة، أما سيمون فعمل خمسين عاماً في المكتبة، ويعرف كل شاردة وواردة عنها.
تقول: «أنا مأخوذة بشجاعة أمناء المكتبة آنذاك وتفانيهم، سمتان باقيتان حتى يومنا هذا في العاملين بالمكتبة، استغرق البحث عن تفاصيل الرواية أعواماً كثيرة، خلال تلك المدة الزمنية، التقت كثيرين وراسلت غيرهم، ومنهم هيلين التي ذكرتها في الرواية، كانت في الشقة حين اقتحم رجال الشرطة الشقة وأطلقوا النار على أبيها، فكتبت: «أمضيت أياماً كثيرة في المكتبة الأمريكية، خلال طفولتي اصطحبني أبي إليها، أول مرة، منذ أن كنت رضيعة، مازلت أذكر صوت الأرض الباركيه تحتي، أو إذا مشى شخص بسرعة، ورائحة الكتب، وتفاصيل أخرى مثل الغرف المغلقة، حيث منعت من الدخول».
بحثت المؤلفة عن شخصيات روايتها ممن كانوا يعملون في المكتبة، ومن هؤلاء دوروثي ريدر التي سافرت إلى الولايات المتحدة، ثم عملت في المكتبة الوطنية في بوجوتا عاصمة كولومبيا، وعملت مرة أخرى في مكتبة الكونجرس، وبالاستعانة بأرشيف رابطة المكتبة الأمريكية على الإنترنت، وجدت المؤلفة تقارير سرية، كتبتها دوروثي عن الحياة في باريس في أثناء الحرب. هناك شخصية أخرى تطلق عليها المؤلفة «حامي المكتبة» وكان مسؤولاً عن النشاط الثقافي في فرنسا المحتلة وبلجيكا، وعاد إلى برلين بعد الحرب وعمل أمين مكتبة، وهناك من تخصص في نهب المكتبات السلافية في باريس، أحدهم غادر باريس مع القوات الفرنسية في 14 أغسطس/ آب عام 1944.
كتب لزملائه الفرنسيين: «أغادر كما أتيت، صديقاً للمكتبات الفرنسية، وبعض أمناء المكتبة الفرنسيين، بذلت قصارى جهدي لكيلا تتمزق الروابط التي توحدنا، أخفقت أحياناً فلم أتمكن من مساعدة من طلبوا عوني، الظروف كانت أقوى مني في الأغلب، وعلى الأغلب أجبرتني الضرورات العسكرية على التخلي عن أهداف، كنت قد وضعتها نصب عيني، لكم حرية الحكم عليّ أيها الفرنسيون».
هذا الرجل، واسمه دكتور فوكس، كان ينبه إلى ضرورة التزام طاقم عمل المكتبة الأمريكية في باريس الحذر، لأن الشرطة النازية تنصب الشراك لهم، ثم كان يحقق مع العاملين لتوضيح سبب وجود مواد تعادي النازية في المكتبة، وهناك واقعة خاصة بتهديد أحد الرواد بالإبلاغ عن المكتبة، حيث انتشرت رسائل الوشاية، ووصلت إلى حوالي 5 ملايين رسالة أرسلت إلى النازيين.
مشاعر
الرسائل الموجودة في الرواية من تأليف الروائية، كانت الرسائل الحقيقية مليئة بالضغائن والغضب والعنف والجنون، وتمتلئ بالوشاية ضد أفراد الأسرة والأصدقاء وزملاء العمل، وتراوحت الاتهامات بين الإصغاء إلى إذاعة (بي. بي. سي) وذكر الألمان بسوء، وعدم إخلاص الزوجات اللاتي كان أزواجهن أسرى حرب، وبيع أو شراء البضائع في السوق السوداء.
الرواية مبنية على أشخاص وأحداث حقيقية، لكن المؤلفة غيرت في بعض العناصر، في الحياة الحقيقية هناك من قال: «لا شيء غير الكتب يملك قوة غامضة، تجعل الناس يرون بأعين الآخرين المكتبة، جسر كتب بين الثقافات».