دون شك، تغيرت طبيعة العمل والوظيفة، وشهدت تحولات واسعة وكبيرة، خاصة في هذا العصر، وعند الموازنة قبل أربعة عقود مثلاً، سنجد أن التغييرات كانت واسعة وليست محصورة في الأدوات أو المسميات، بل كانت فلسفة وارتباطاً نفسياً واسعاً، وكأنه حدث تغير وانتقال من عصر الولاء للشركة، إلى عصر آخر هو الولاء للمهارة والإتقان والإبداع من أوجه التغيرات التي هي ماثلة وملاحظة. وما كان يعتبر سابقاً مبدأ يسمى الأمان الوظيفي، تجد خلاله الموظف يمكن أن يمضي ثلاثون عاماً، في بيئة عمل واحدة، حتى يبلغ سن التقاعد، وكان تغيير مقر العمل، بمثابة عدم استقرار، أو سلوك غير صحي من الموظف، أما في هذا العصر، بات التنقل الوظيفي حالة عامة، يبحث فيها الموظف عن الخبرة والتحدي، وكأن اقتصاد العمل الحر، إذا صح التوصيف، جعل من الفرد شركة، أو يمارس أحد أدوارها.

وبات بقاء الموظف في مكان واحد لثلاثة أعوام أو أكثر أو أقل، ثم ينتقل لوظيفة أخرى ممارسة عادية وطبيعية، وقد يكون لسوق العمل والخبرات والمهارات دور في مثل هذا التدوير الوظيفي، فالموظف، الذي يكتسب المهارة والخبرة والمعرفة العملية، ولا يجد مردوداً مادياً في مقر عمله الحالي، سيجد شركة أخرى تقدم له مرتباً شهرياً أفضل أو مميزات وظيفية أعلى، وهكذا تحدث حالة من التنقلات المستمرة.

في السابق كانت المكاتب مغلقة، وهناك هرمية صارمة، والمكاتب مقسمة بحواجز، والإنتاجية يتم قياسها بعدد الساعات التي يقضيها الموظف في مقر عمله، وبطبيعة الحال تحت رقابة المدير. أعتقد أننا الآن في عصر تم إلغاء جدار المكتب المتعارف عليه، وأستطيع القول إننا نتجه نحو ما يسمى بالعمل الهجين – العمل من مقر الشركة أو من بعد-، أو العمل بالكامل عن بعد، وبات التركيز على الإنتاجية وتحقيق الأهداف، وليس على عدد ساعات التواجد في مقر العمل.

في هذا العصر ظهرت مصطلحات مثل الاحتراق الوظيفي، والتي تشكل مفهوماً عالمياً وقضية واسعة التداول، وهناك مفاهيم لدى الجيل الجديد، تتعلق بمتطلبات عن بيئة العمل والصحة النفسية، والمرونة في أوقات العمل، بل إن مثل هذه المتطلبات عند البعض أولوية تسبق الراتب الشهري.

التقنيات الحديثة، تتطور هي أيضاً، ومع كل قفزة تقنية جديدة، تكون طبيعة العمل والوظيفة، من أوائل من يستجيب لها. والنقطة الجوهرية والمهمة، والتي يجب التنبه لها، تتمثل في الإلمام بالمهارة، والخبرة، والإتقان والإبداع، لأنها هي ما تحدد قوتك في سوق العمل المتغير.

[email protected]