رضا السميحيين

كثيراً ما تكون الجملة الأولى هي التي ترسم مصير النص وتحدد علاقة القارئ به، فهي البوابة التي يدخل منها إلى عالم المؤلف في سطر أو سطرين، فإذا جاءت بسيطة عادية مر القارئ بها دون اكتراث، أما إذا حملت نغمة مختلفة أو أثارت فضوله، جذبته إلى متابعة القراءة واستكشاف ما وراءها، ولهذا السبب أصبحت الجمل الافتتاحية في بعض الروايات جزءاً من تاريخ الأدب نفسه، تقتبس وتدرس وتعاد صياغتها في طبعات مختلفة.
ولعل من أوضح الأمثلة على روعة الجملة الافتتاحية ما نجده في رواية «آنا كارينينا» للكاتب الروسي ليو تولستوي،، والتي تبدأ بالجملة التالية: «العائلات السعيدة ترتع في جنة، والعائلات الشقية تتمرغ في ألف جحيم، أسباب السعادة تتشابه وأسباب الشقاء تتفرع إلى أغصان وأفنان»، ورغم أن هذه الجملة تبدو في ظاهرها تقريرية أكثر منها أدبية، إذ تخلو من الوصف أو الاستعارة، فإنها في جوهرها تضع بين أيدينا الفكرة المركزية للرواية منذ السطر الأول، العائلة واختلال توازنها الداخلي، وانعكاس ذلك على مصير أفرادها. ويرى كثيرون أن تولستوي لخص في هذه الجملة البسيطة موضوع الرواية كله، حتى غدت من أكثر الافتتاحيات شهرة في تاريخ الأدب العالمي.
إذا ما أخذنا مثالاً آخر لا يقل شهرة من رواية «قصة مدينتين» للروائي تشارلز ديكنز والتي تدور أحداثها في لندن وباريس قبل وأثناء الثورة الفرنسية، فقد جاءت الجملة الافتتاحية فيها تقول «كان ذلك أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة»، وديكنز هنا يبدأ الرواية بهذه المفارقة المقصودة، ليصف أجواء أوروبا قبيل الثورة الفرنسية، فهو زمن يحمل في داخله التقدم والاضطراب معاً، ومع أن الجملة قصيرة، لكنها تختصر حالة تاريخية كاملة.
وإذا انتقلنا إلى الأدب العربي، نجد مثالاً بارزاً في رواية موسم الهجرة إلى الشمال للكاتب السوداني الطيب صالح، حيث تبدأ الرواية بالجملة «عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة»، وهنا وعلى الرغم من بساطة هذه الجملة، لكنها تفتح باباً واسعاً لموضوع الهوية والاغتراب، ومن هذه العبارة انطلقت واحدة من الروايات العربية المهمة في القرن العشرين.
ولعل الملاحظة التي تتكرر في أغلب هذه الأمثلة أن الجملة الافتتاحية الناجحة ليست بالضرورة الأكثر بلاغة، بالعكس كثير من الروائيين الكبار بدؤوا أعمالهم بجمل مباشرة جداً، بدون زخرفة ولا استعراض لغوي، فالقارئ يريد أن يعرف بسرعة أين يقف النص، وما العالم الذي سيدخله، لذا فالكاتب الذي ينجح في هذه اللحظة الأولى، يكسب انتباه القارئ والذي يفشل قد يخسر القارئ من الصفحة الأولى.
[email protected]