لعل من أبرز الأحداث الثقافية العالمية في هذا العام، صدور فيلم «فرانز» الذي يحكي عن الكاتب المعروف فرانز كافكا، ويقدم الفيلم إضاءات عن حياته، ربما بشكل مختلف، إذ وجد صنّاع الفيلم أنفسهم في ورطة، فلن يكون يسيراً على المشاهد -قارئ كافكا- أن يجد بطله الذي رسم حوله الأساطير «نظراً لحياته المعقدة وشخصيته المركبة ونبوءاته المحققة» وقد أصبح يُحكى عنه بواسطة فيلم عادي من أفلام السيرة الذاتية، ذات البداية والنهاية الواضحة.
ولطالما نظر القراء إلى كافكا وكأنه شخصية خارقة، جاءت من عالم مختلف، بل هناك من يرى أن قصته «المسخ» هي تجسيد لحكاية حياته، فعلى الرغم من أن الرجل قد عاش حياة قصيرة محتشدة بالمواقف، ومات في سن صغيرة، إلا أن معجبيه وجمهور القراء ككل يرون في تلك الحياة حمولة كبيرة من الغرائبيات، لذلك تم أسطرة سيرته.
كافكا هو رائد الكابوسية والعبث، حتى قبيل قيام التيارات الأدبية والفكرية التي تتبنى تلك الثيمات، لذلك يراه الكثيرون سابقاً لعصره، بل يبدو وكأنه يكتب لواقع اليوم الذي يسود فيه التشظي والحياة الفردية والاغتراب، وتلك هي قيمة هذا الكاتب الخالدة.
كانت حياة كافكا تجسيداً حياً لكلمة «تعقيد»، إذ عاش صراعات داخلية وخارجية، شكلت أدبه، وعانى علاقات معقدة ومتناقضة، وكان ممزقاً بين الرغبة في الاستقرار والخوف من أن يسرقه الزواج من عزلته الضرورية للكتابة، وكان يشك دائماً في قيمة ما يكتب، لدرجة أنه أحرق جزءاً كبيراً من أعماله بنفسه، هذا المزيج من الاغتراب الاجتماعي، والضغط العائلي، والوعي الحاد بعبثية الوجود، هو ما جعل أعماله مثل «المسخ» و«المحاكمة» تترك هذا الأثر العميق في الأدب العالمي.
ولعل كل ذلك يقود إلى سؤال: كيف يمكن أن يجسد فيلمٌ كل ذلك التعقيد، وتلك الهالة الأسطورية المرسومة حول شخصية كافكا؟، ربما ذلك ما دفع مخرجة العمل البولندية، المرشحة للأوسكار، أغنيسكا هولاند، إلى تناول هذه الشخصية بأسلوب مبتكر، إذ تم تصوير الفيلم بوصفه فسيفساء تجمع بين الواقع والسريالية لتعكس نفسيته المجزأة، وهدفت المخرجة إلى تجنب الصور النمطية وتقديم نظرة جديدة للإنسان الكامن وراء الأسطورة الأدبية، مع التركيز على علاقاته العاطفية المعقدة وطفولته، مستخدمةً تقنية «الفلاش باك» لرصد الجوانب المظلمة في حياة البطل، فالفيلم يقترب من السريالية السينمائية التي تدمج بين الواقع والخيال، والمنطق واللامعقول، مستهدفةً تجسيد اللاوعي والأحلام، وتعتمد هذه الأسلوبية على صور بصرية غريبة ومحاكاة للأحلام لتحرير العقل البشري، متجاوزةً السرد المعتاد، وكل ذلك من أجل إرضاء وإقناع قارئ كافكا العنيد.
