الجسور، منذ القدم، علامات نهضة تطوي المسافات والفوارق، وتلتهم العزلة بين جانبين، وتروّض الموانع المائية، فلتحتم الأفكار والعادات وتتحاور في اتجاهين انتصاراً لقيمة إنسانية أساسية هي التعايش بما يتفرع عنها من منافع اجتماعية واقتصادية وسياسية.
والجسور، على صلابتها، روابط قربى ومودة، سواء داخل الوطن الواحد، أو بين وطنين متجاورين، وبعضها تزداد رمزيته الجمالية حين يقوم التصميم على معانٍ مشرقة ومضيئة بالتفاؤل والتواصل، فيصبح الجسر مرادفاً لمدينة أو دولة، دالاً على محبتها للحياة والبشر وحتمية الوصل بينهم.
الجسور في الحرب شيء آخر، تساق إلى المعارك، ككل مفردات الحياة الوادعة، رغماً عنها، فإن لم تُسخّر لنقل آلات حصد الأرواح والجنود المكلفين بالقتل، تكون هي بذاتها هدفاً للقصف ومرادفاً لعودة الإنسان إلى بعض من سيرته الأولى حين كان لا يرى إلا نفسه ولا يؤمن بأن هناك من يشاركه الأرض والخيرات وحب الحياة، ويعتقد أن قدرته على إشعال النار سبيله الوحيد للعيش والاستمرار.
في الحرب الممتدة في المنطقة، تتمدد الجسور في قلب الخطط الجهنمية، وتبرز مدخلاً لعداوة تتسع ورغبة في استطالة الصراع وتحقيق مساعي الهيمنة والتعبير عن أحقاد لم يصبر أصحابها على كتمها طويلاً. وللأسف، أن جسوراً أخرى ليست من أسمنت وحديد تتمزق مهددة بتباعد بين عرب وحّدتهم طويلاً، أو أوصلت معظمهم إلى قناعة لا تهتز بوحدة المصير، لكن هذا التهديد لا محالة زائل كلما طالت أيام الحرب وانجلت أمام الأعين العربية مراميها، وأي أطرافها أخطر علينا أو أولى بالتصدي لأحقاده المغلفة بمزاعم الدفاع عن النفس.
يطول القصف الأمريكي أو الإسرائيلي جسراً في إيران فيأتي الرد تهديداً بنسف جسور خليجية، استمراراً للخلط الإيراني المقصود بين أوراق الحرب، بل إن رأس «الدبلوماسية» في طهران يجد من الوقت ما يعينه على التهديد باستهداف الجسر الرابط بين السعودية والبحرين، بعد أن سبقه زملاء له إلى تسمية الجسور في الدول الخليجية باعتبارها هدفاً للانتقام.
خطورة الأمر ليست في استمرار الخلط الإيراني بين الأمور ولا التعامي عن العدو الحقيقي، بل في الإصرار على قطع كل الجسور التي كانت بين الجيران وعبرت فوقها عقود من التعايش والمنافع المشتركة. ورغم أن الإمارات أولى نقاط الاستهداف وأنجحها في التصدي له، فإنها، قبضاً على قيمها الإنسانية رغم صعوبة اللحظة، تبقي الجسر ممتداً بين الإيرانيين الذين اختاروها وطناً للحياة ولا تفرق بينهم وبين أبنائها من كل الجنسيات.
وفي لبنان، يدفع الشعب المحب للحياة ثمن عقود من إصرار تيار على قطع الجسور الواصلة بين أتباعه والوطن وأن يكون معبراً لإرادة خارجية تنال من سيادته. وفي النتائج، تضرب إسرائيل جسور نهر الليطاني لتعمّق فصل الجنوب عن بقية لبنان وتكمل ما بدأه غيرها، عقدياً وسياسياً، برسم جغرافيا جديدة تزيد مأساة البشر في هذا الإقليم المنكوب بهواة قطع الجسور.
جسور تنهار
5 أبريل 2026 00:02 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 أبريل 00:02 2026
شارك
