في أجواء الحرب التي عاشتها منطقتنا خلال الأسابيع الماضية، طالعني نصّان لشاعرتين خليجيتين: عائشة الكعبي من الإمارات وبتول حميد من البحرين، يظهران رهافة الشعر إزاء قسوة الحرب ورعبها، فيغدو الشعر بمثابة سلوى من مصيرٍ نجهله يثير في النفوس القلق والخوف، ويصادر الطمأنينة.
في نصّها «حديقة سريّة» تقول عائشة الكعبي: «حين تمطر السماء دوياً/ أعزف معك/ هديل حمامةٍ عاشقة/ تلقي بثقل صدرها كلّه/ على غصنٍ رصين/ يعرف كيف يعانق حمامته/ في هدوءٍ تام/ لا يخدشه طنين مُسيّرة/ ولا انفلات صاروخ!». فيما تقف بتول حميد في أحد نصوصها القصيرة المعنونة «أغان مكسورة» على المفارقات الناشئة عن الحرب، فتجعل لما اعتدناه وأحببناه وظائف أخرى نقيضة: «في الحرب يتحوّل المقال إلى بلدوزر/ الطائرة إلى أداة قتل/ المواعيد إلى تكّات قلق».
لو استثنينا تجربة الكويت المؤلمة مع احتلال القوات العراقية لها في عهد صدّام حسين، وما تلاه من حرب إخراج القوت الغازية، فإن تجربة الحرب التي عاشتها بلداننا نحو أربعين يوماً متواصلة مؤخراً، هي الأولى من نوعها في عصرنا الحديث. لم تتوقف فيها أصوات الصواريخ والمسيّرات والمضادات ليلاً ونهاراً، موقعة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في مرافق حيوية، لكن ذاكرة شعوب كثيرة، بما فيها شعوب عربية، مثقلة بالحروب وأوجاعها، ومن الطبيعي أن نجد تجليات لذلك في نصوصٍ لقامات شعرية عاصرت تلك الحروب، وذاقت مراراتها.
عن إحدى الحروب على غزة قال محمود درويش: «إذا سألوك عن غزة.. قل لهم بها شهيد، يُسعفه شهيد، ويُصوّره شهيد، ويُودعه شهيد، ويُصلي عليه شهيد». وتتحول القصيدة عند الشاعر التشيلي بابلو نيرودا وهو يتناول الحرب إلى شهادة على الانتهاك وفعل محاسبة: «تعالوا وانظروا الدم في الشوارع». يخرج الشاعر من الذات إلى العالم، ليرى الحرب صدمة أخلاقية مستمرة، لا مجرد نزاع سياسي.
ورغم أن الشاعر الروسي فلاديمير مايكوفسكي كتب من قلب الثورة، لكن ذلك لم يحمله على تجاهل حقيقة أن الحرب تلتهم الإنسان اليومي، كما يتبدى ذلك في أبياته القائلة: «أيتها الحرب/ لماذا تسرقين من الأرض/ وجوه الفلاحين البسيطة؟». أما عند الشاعر التركي ناظم حكمت فإن الحرب خيانة للأحلام الإنسانية، ضحاياها الحقيقيون الأطفال والأجيال القادمة: «أجمل البحار/ هي التي لم نذهب إليها بعد/ وأجمل الأطفال لم يكبروا بعد/ فلماذا تقتلهم الحرب؟».