«لماذا لم تبنِ الوعود الكبيرة أوطاناً، بل بنت أوهاماً؟»
***
كنت أشاهد فيلماً عربياً قديماً، استوقفني فيه مشهد يكرر نفسه في ذاكرتنا الجمعية: عائلة تلتف بخشوع حول راديو خشبي ضخم، تلاحق بصمت معجون بالخوف ترددات إذاعة «صوت العرب».
كانت النبرة القومية الصادحة تملأ الغرفة، وتملأ معها قلوب أفراد العائلة بيقين لا يتحرك بأن الفجر قد بزغ، وأن الوعود الكبيرة بالوحدة والكرامة باتت على مسافة خطوة. كانوا يصدقون لأنهم يملكون سردية تمنح حياتهم معنى يتجاوز لقمة العيش، لكن مع مرور السنوات انطفأ الراديو، وانكسرت الوعود واحداً تلو الآخر.
الوعود الكبيرة لم تُهزم من الخارج، بل انهارت من الداخل حين اصطدمت بصخرة الواقع. القومية التي وعدت بالوحدة، انتهت بنا إلى انقسامات مريرة. «الإسلام السياسي» الذي بشّر بالعدالة، لم ينتج سوى الفوضى. وحتى وعود الكرامة التي سوّقتها الثورة الإيرانية، انتهت بشعوبها إلى طوابير الجوع والعزلة.
سقطت هذه السرديات، لأنها كانت تبيع المستقبل مقابل تدمير الحاضر، وتطلب من الناس الإيمان بالوهم مقابل التخلي عن العقل. وبسقوطها، تركت خلفها فراغاً هائلاً تسكنه ثلاثة أجيال: جيل الآباء الذي خسر حلماً كان يسنده، وجيل الأبناء الذي عاش الخيبة وأوجعته، وجيل الأحفاد الذي وُلد بعد انتهاء الصلاحية ويملك كل أدوات العصر لكنه يفتقد البوصلة. جيل ضائع لم يجد نفسه إلى الآن.
هذا الفراغ خطر. الفراغ لا يبقى فارغاً أبداً، حين تغيب السردية الجامعة، تولد سرديات صغيرة وقاتلة: الطائفية، القبلية، الشعبوية. وسط هذا، قررت الإمارات أن تكتب حكايتها بطريقة مختلفة. لم تنتظر وعوداً لا تتحقق، بل جعلت من الفعل نفسه سردية. سمّت الأشياء بأسمائها حين كان الآخرون يتلاعبون بالألفاظ، في البناء وفي مواجهة العدوان سواء.
دولة يُعتدى عليها فلا تخطب، بل تتصرف بحزم، وأصبح الإنجاز هو الهوية لا الخطبة العصماء، بل المسبار الذي بلغ المريخ، والمدينة التي بنت نفسها من الصفر. هذا ليس غياباً للمعنى. الإمارات صنعت معنى من نوع مختلف، معنى لا يُحفظ في الخطب، بل يُبنى بالحقيقة ولا يقتات على الشعارات، الإنسان لا يستطيع العيش بلا حكاية تبث فيه حب الحياة. والمنطقة اليوم لا تحتاج استعادة أوهام الماضي، بل سرديات جديدة واقعية وحقيقية لا تقتات على الشعارات. السؤال ليس: هل نحتاج سردية؟ السؤال: من يملك الشجاعة؟ لأنه من سيكتبها.
صوت الراديو توقف منذ زمن. وبقيت الأرض تحت أقدامنا. والأرض لا تكذب، تعرف جيداً من يحرثها، ومن يكتفي بوصف جمالها.