كشف الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط، ليس فقط، عن هشاشة النظام الدولي القائم، وتآكل القواعد التي بني عليها منذ الحرب العالمية الثانية، وإنما عن فوضى عالمية ناجمة عن تراكم الصراعات السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، والتي من شأنها جر العالم نحو مواجهات كبرى يصعب التكهن بنتائجها.
ما يزيد المخاوف أن كل العوامل باتت مهيأة لحدوث انفجار كبير أو على الأقل، تغيير النظام العالمي، بفعل التنافسية والاستقطاب الحاد بين الدول الكبرى، مدفوعاً بالمصالح المتشابكة، والرغبة الجامحة في عدم إفساح المجال أمام قوى صاعدة، للتربع على عرش الساحة الكونية، وإصرار قوى أخرى على الحفاظ على مكانتها القيادية في الساحة الدولية.
ومع أن هناك شبه إجماع لدى المراقبين والمحللين، على أن المجتمع الدولي يتجه، في السنوات الأخيرة، نحو عالم متعدد الأقطاب، إلا أن شكل ومضمون النظام الدولي الجديد لم يحسم بعد، لارتباطه الوثيق بالنتائج التي قد تسفر عنها الصراعات والبؤر المتفجرة في أكثر من مكان. فإلى جانب الشرق الأوسط، هناك الحرب الأوكرانية التي تجاوزت الأربع سنوات، والتي تحولت إلى صراع جيوسياسي، قد يعيد صياغة الأمن الأوروبي على أسس مختلفة. وهناك تايوان التي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، بينما ترى فيها الولايات المتحدة والغرب قاعدة متقدمة، لمنع بكين من الهيمنة على بحر الصين الجنوبي، والسيطرة على طرق التجارة وإمدادات الشحن العالمية، والتي يرى فيها بعض الخبراء واحدة من أهم النقاط التي قد تتسبب في إشعال حرب كونية. وإلى جانب ذلك هناك الصراع الكامن بين الكوريتين، والصراعات الدائرة في أمريكا اللاتينية، يضاف إلى ذلك التكتلات الاقتصادية الكبرى مثل «مجموعة بريكس» وغيرها، والحرب التجارية الأمريكية، علاوة على الأحلاف العسكرية في المحيطين الهادي والهندي (أوكوس، كواد)، والفوضى التي تعم حلف شمال الأطلسي «الناتو»، بسبب تهديد الولايات المتحدة بالانسحاب منه.
وإلى جانب كل هذه العوامل، هناك الأزمات الداخلية والضغوط الاقتصادية التي تعانيها الدول الكبرى، والتي غالباً ما تكون دافعاً للتصدير والبحث عن حلول لها عبر إشعال الحروب في الخارج.
وسط كل هذا المشهد الفوضوي تبرز الولايات المتحدة، التي لا تزال تمسك بدفة القيادة الدولية، كأكثر الدول المنخرطة في هذه الصراعات، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، بهدف الحفاظ على مصالحها وريادتها الدولية، في ظل تحديات قد تسهم في إضعافها، لصالح منافسيها الدوليين. وهنا أيضا يبرز الدور الصيني وحتى الروسي باعتبارهما من أكثر المستفيدين من أي تراجع للدور العالمي الأمريكي، وخصوصاً الصين المتأهبة دوماً لصدارة الريادة العالمية.
لكن لا يزال الحديث مبكراً عن ماهية النظام الدولي الجديد الذي لا يزال قيد التشكل، قبل حسم كل هذه الصراعات المحتدمة، والتحقق مما إذا كانت ستبقى تحت السيطرة، أو تقود إلى مواجهات كبرى لا تبقي ولا تذر.
[email protected]