تبدو الحياة الحديثة غنية بالأشياء وفقيرة في المعنى، تلك ملاحظة تميز ربع القرن الماضي بعد دخول الألفية الجديدة، ففي تلك الفترة بدا أن كل شيء من الممكن الحصول عليه، ولكنه لا يخفي السحر الذي ميزّه في السابق، لنتذكر أنه منذ قرون أو حتى عقود كانت هناك صعوبة في تنقل البشر بين الحدود والبلدان المختلفة، وهو عائق تجاوزه البشر في القرن الحادي والعشرين، وسيكتب أحد المؤرخين في المستقبل عن سهولة السفر والتنقل الذي تعيشه قطاعات واسعة من البشر في الوقت الراهن، ولكن مع هذه الطفرة في التنقل فإن بإمكاننا أن نلمس غياب حزمة من المعاني والأفكار والمفاهيم التي لم تعد متداولة أو لا نلتفت إلى أن نهتم بها.
في الماضي كان السفر «رحلة»، بكل ما يختزنه هذا المصطلح الأخير من آفاق وفضاءات، رحلة تولد الأسئلة وتخلق الانطباعات والرؤى، وكان هناك من يسمى الرحالة، وما يطلق عليه «أدب الرحلة»، وتوافر قطاع واسع من كتابات ارتبطت بصورة أو أخرى بالرحلة، كان هناك من يرسم صوراً ذهنية لشعوب؛ صوراً تدفع إما إلى التعرف والتفاهم أو تنحو باتجاه التشويه، وكان هناك المغامر الذي يتجول في العالم بحثاً عن فرصة ويضع خدماته تحت تصرف من يدفع، وإلى جواره الجاسوس والباحث العلمي، وكُلٌّ له إضافته وإسهامه، وأيضاً الكل يتحرك في فضاء معرفي تأسس نتيجة لهذه المفاهيم.
لم يتوقف فضاء الرحلة عند هذه الحدود النخبوية، ولكن كان هناك السفر للدراسة وللعمل وللسياحة، وحتى الحج كانت له رحلته الخاصة جداً ذات الموروث الضارب في الوجدان الشعبي.
من حزمة هذه الرحلات وغيرها بإمكاننا أن نقرأ عن عوالم الاستشراق بكل تعقيداته ونتائجه، وفي هذا الجانب نستمع إلى هذا المنور الذي تعرّف إلى أفكار جديدة في رحلته وحاول أن ينقلها إلى وطنه الأم، وأن نرى في جانب آخر ذلك الأنثربولوجي الذي نظر إلى الشعوب الأخرى بفوقيّة.
كانت الرحلة متفجرة بالمعنى، بل ويخبرنا التاريخ أن البلدان المغلقة التي أعاقت سفر مواطنيها، انعزلت وتراجعت وعجزت عن تغيرات العالم المتلاحقة من حولها.
الأهم من ذلك أن الرحلة في الماضي نتج عنها تمازج ثقافي فريد وتشكلت مجتمعات «كوزموبوليتانية» في بعض البلدان، وهو ما رأيناه في مدن عديدة انفتحت على الآخرين حتى انصهرت فيها الخلافات بين البشر، ونشأت ثقافة جديدة ذات مذاق خاص.
الآن الصورة اختلفت تماماً، فبرغم أن عدد من يسافرون أصبح أضعافاً مضاعفة، إلا أننا لا يمكن أن نطلق على هذا الحجم الضخم من الانتقال مصطلح «الرحلة»، بل هو مجرد سفر، وبرغم أن العولمة وتقنياتها فتحت العالم على بعضه، وبرغم ذلك فالحديث لا ينتهي عن قدرة العولمة على الصهر الثقافي إلا أن ما يحدث على الأرض مغاير تماماً، فلم تنشأ مجتمعات «كوزموبوليتانية»، وتزايد الشعور بالهويات الضيقة، وأصبح الكل يتفاخر بدوائر انتمائه، بعيداً عن أي معنى إنساني منفتح يمكن التقاطه في وسط هذه الهويات المتنافرة.
