د. ناجي صادق شراب
دولة الإمارات ليست طرفاً مباشراً فى الحرب الإيرانية، لكنها وجدت نفسها طرفاً مدفوعاً إليها كباقى دول الخليج العربي بسبب الاعتداءات الإيرانية التى استهدفت بنية الدولة وإنسانها ونموذجها الذي كافحت منذ نشأتها في بنائه وهو النموذج الأقرب إلى النموذج الكانطي فى مواجهة النموذج الإيراني المغاير، وهو نموذج التنوير والسلام والتسامح وبناء الإنسان وتبنيها لنموذج القوة الناعمة الشاملة التي وضعتها في مصاف الدول المتقدمة في مؤشرات السلام والسعادة والتسامح والرفاهية،وهذا لم يمنع أن تبني الدولة قوتها الصلبة ببناء قوة عسكرية هدفها حماية هذا النموذج وليس من أجل الحرب. فالإمارات وعلى مدار تاريخها لم تعتدِ على غيرها بل تبنت سياسة حسن الجوار حتى مع إيران رغم احتلالها لجزرها الثلاث 1971.
بل ذهبت دولة الإمارات إلى أبعد من ذلك، وحافظت على علاقتها الدبلوماسية مع إيران وتبنت مقاربة الدبلوماسية لتثبت حقها فى جزرها.
ولعل هذه الحرب التي تشهدها منطقة الخليج كشفت عن بعد مهم وهو حرب نموذج الحكم الرشيد وحرب القيم. وتستحضر هذه الحرب النموذج الكانطي التنويري، وهو نقيض نموذج التعصب والتشدد الأيدولوجي ونظام الحكم الثيوقراطي الذى تتبناه إيران. وكما جاء في كتاب كانط فيلسوف السلام العالمي «مشروع السلام العالمي» الذي تحدث فيه عن مشروع دستور تلتزم به الأمم جميعاً درءاً للحروب. وعنده أن «كل إنسان عقلاني له حق طبيعي في الحرية، والحروب تمثل المأساة الكبرى ومصدر كل الشرور»، وأعلن أن «أكبر شر يصيب الشعوب لا يعني الحرب الماضية ولا الحرب الحاضرة بل الاستعداد للحرب القادمة». وعنده أيضاً «أن الحروب لا تحقق السلام وتخلو من العدالة». هذه العبارات الموجزة توضح لنا أن النموذج الإماراتي يعتبر ترجمة كامله للنموذج الكانطى في السلام والتنوير والحداثة والعدالة وتجنب الحرب، وفي المقابل فإن النموذج الإيراني الذي يقوم على الحكم المطلق ويفرض قيوداً على حرية الفكر، يطرح سؤالاً: لماذا إصرار إيران على امتلاك كل هذه القوة والسعي لامتلاك القوة النووية، والسعي للسيطرة ومحاربة كل نموذج تنويري إنساني يناقض نموذجه؟.
إن الخطر الحقيقي من هذا المنظور ليس امتلاك دولة الإمارات والدول الخليجية الأخرى القوة العسكرية، وهى قادرة، بل قوتها الحقيقية في نموذجها في الحكم الرشيد وفي المواطـنة الكامـــــلة وممارسة كـــــــــل الحــــقــوق الـســــياســــية والاجتماعية والتمكين السياسي والمشاركة في الحكم وبناء دولة المؤسسات السياسية. هذه هي مــــصادر الخطر التي تراها إيران لأنها بحكم التجاور الجغرافي والعلاقات البشرية ستكون دافعاً قوياً للشعب الإيراني في أن يقاوم النموذج الذي يحاول النظام تكريسه.
وكما يقول المفكر الإيراني عبد الكريم سروش، إن أخطر ما يهدد المجتمع الإيراني ليس الحرب من الخارج بل قمع المستبدين في الداخل للأصوات المطالبة بالحرية والعدالة.
لقد دافع كانط عن استقلالية الإنسان وتحرره من السيطرة على وعيه وفكره، وهذا معنى التنوير وأساس الحكم الرشيد، وهنا المقارنة بين النموذج الإماراتي الذي يقوم على الحكم الرشيد وعقلانيته والنموذج الإيراني الذى يقوم على الإنغلاق الفكري ومصادرة أي حرية للفكر والنقد الإيجابي في تحويل الإنسان إلى مجرد فرد رعية يسود فيها النظام الرعوي الأبوي.
وتحدث كانط عن حق المواطن فىي التفكير والمشاركة السياسية، وهنا الفرق الآخر بين النموذجين، هنا إنسان مواطن بحقوق إيحابية، وهناك مواطن يتعرض للقمع والعنف الفكري والحرمان السياسى. كما تحدث كانط عن مفهوم السلام الأبدي وأساسه قيام أنظمة حكم تحترم القوانين والعدالة وعدم التدخل في شؤون غيرها. وهنا النموذح الإماراتي الذي يتبنى مفهوم السلام الشامل، وما «وثيقة الأخوة الإنسانية» إلا مثالاً، فيما النموذج الإيراني يقوم على دعم الميليشيات والفصائل وخلق وكلاء له في دول أخرى، كما النموذج اللبناني والعراقي واليمني.
ولعل من أبرز ما يوضح قوة النموذج الإماراتي كيف لدولة الإمارات أن تحتضن أكثر من مئتي جنسية تعيش على أرضها بكامل حقوقها وتتمتع بروح الانتماء والولاء الواحدة كتعبير عن روح الإنسانية وقيم التسامح والتعايش التي تميز نموذج الإمارات مقابل نموذج لا يحترم حقوق الأقليات ويقوم على سيطرة جماعة واحدة.
وفي هذا السياق، المقاربة تكمن في الإجابة عن التساؤل: لماذا استهداف الإمارات في حرب ليست طرفاً فيها بل تعارضها، والإجابة تكمن في محاربة نموذج التنوير والإنسانية والسلام الإنسانى وبناء الإنسان الرشيد، وهو نموذج يشكل الخطر الحقيقي على النموذج الإيراني الذي يقوم على القوة، وفكرة تصدير الثورة والهيمنة والسيطرة واحتلال أراضي الغير من خلال احتلالها للجزر الثلاث التابعة للإمارات، والسعي لفرض نظرية الاستعلاء القومي الذي يميز السلوك السياسي الإيراني.