أخلاق الندرة في زمن الوفرة

01:08 صباحا
قراءة دقيقتين

نتحدث عن الاستدامة في وسائل الإعلام، قاعات المؤتمرات، والندوات العالمية، وكل مكان، لكننا لو دققنا في تفاصيل يومنا، لوجدنا أن بعض ممارساتنا اليومية تعكس أزهى عصور الهدر، والمفارقة العجيبة أن أجدادنا، رغم أنهم لم يدرسوا هذا المفهوم كما ندرسه اليوم، كانوا أكثر منا استدامة بفطرتهم، ليس لأنهم لم يملكوا البديل، بل لأنهم امتلكوا «أخلاق الندرة» التي كانت تظهر في سلوكهم اليومي، حين يأخذون بقدر حاجتهم، ويصونون ما تبقى، وكأنه لا بديل له، وهي الأخلاق التي نحتاج إليها اليوم في زمن الوفرة.
لم تكن الاستدامة عندهم خياراً، بل أسلوب حياة يمارس يومياً، كانوا يدركون أن من لا يدير موارده اليوم بحكمة، يفقد القدرة على التحكم في خياراته غداً.
ولو تأملنا تفاصيل الحياة قديماً لاكتشفنا أننا لا نتحدث عن بساطة عيش، بل عن فهم عميق لقانون التوازن؛ حيث تستخدم الموارد بحكمة واتزان.
لكن السؤال الذي يجب أن نواجهه بصدق اليوم، هل ما زلنا نحمل هذه العقلية، أم أننا تخلينا عنها دون أن نشعر.
نحن لا نعيش مفارقة فقط، بل نشارك فيها أحياناً دون وعي، نتحدث عن الاستدامة، لكن بعض أنماط حياتنا تكافئ الهدر، نشيد بالمحافظة على الموارد، ثم نستهلك بلا وعي، وهنا تكمن الحقيقة غير المريحة، المشكلة لم تعد في غياب المعرفة، بل في غياب الإحساس، لقد تحول الاستهلاك من حاجة إلى عادة، ويستدعي ذلك مراجعة جادة.
إن التحدي الذي نواجهه اليوم ليس فقط في تطوير تقنيات جديدة، بل في استعادة تلك العقلية الحكيمة التي صنعت توازننا في الماضي؛ لأن الاستدامة ليست مشروعاً بيئياً، بل موقف أخلاقي، هي أن تدرك أن ما بين يديك اليوم ليس ملكك بالكامل، بل أمانة عابرة.
ومن هنا تأتي أهمية رؤية قيادتنا التي وضعت الاستدامة في صميم مستقبل الدولة، امتداداً لنهج الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي لم ينظر إلى البيئة كملف، بل كقضية وجود.
لكن الرؤية وحدها لا تكفي، إن لم تتحول إلى سلوك، ودورنا اليوم ليس أن نكرر المصطلحات، بل أن نراجع أنفسنا بصدق ونتحمل مسؤولية ما نفعل، فالاستدامة لا تُختبر في الخطط الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي نمارسها كل يوم دون أن نشعر.
أخلاق الندرة ليست فكرة، بل معيار بسيط، ألا تأخذ إلا ما تحتاج، وألا تشتري إلا ما تستخدم، وألا تهدر ما يمكن حفظه.
في النهاية، الاستدامة ليست كلاماً يقال، بل سلوك نعيشه ونحافظ فيه على مواردنا، ومن يهمله اليوم، قد يدفع ثمنه غداً.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"