الاستيطان «السري» في الضفة

00:21 صباحا
قراءة دقيقتين

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بلملمة جراح المنطقة ومحاولة احتواء الحرائق المندلعة هنا وهناك، تواصل الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو سياسة «فرض الأمر الواقع» بعيداً عن الأضواء، وكأنها تسابق الزمن لابتلاع ما تبقى من الأرض الفلسطينية. الكشف الأخير عن الموافقة «السرية» لإنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية ليس مجرد رقم يضاف إلى سجل الانتهاكات الطويل، بل هو إعلان صريح عن وأد أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
هذا التوسع الاستيطاني الذي يتم خلف الأبواب المغلقة، وبمباركة الرقابة العسكرية، يعكس عقلية «دولة المستوطنين» التي باتت تهيمن على مفاصل القرار في تل أبيب. فاختيار المناطق النائية والجبلية لإقامة هذه البؤر ليس عبثاً، بل هو مخطط استراتيجي يهدف إلى تمزيق التواصل الجغرافي الفلسطيني، وتحويل المدن والقرى في الضفة إلى «جزر» معزولة وسط محيط من الإسمنت الاستيطاني المسلح.
ما يثير المخاوف، هو تلك التوأمة المنهجية بين قرارات الحكومة الرسمية وهجمات المستوطنين الميدانية، فالمستوطن الذي يهاجم المزارع الفلسطيني في «تياسير» أو يطارد الرعاة في «طوباس»، لا يتحرك بوازع فردي، بل هو الأداة التنفيذية لسياسة الوزير بتسلئيل سموتريتش، الذي أعلن بوضوح أن هدفه هو «دفن» فكرة الدولة الفلسطينية، لذا فإننا أمام مشهد «تبادل أدوار» متقن؛ فبينما تمنح الحكومة التغطية القانونية والتمويل، يتولى المستوطنون مهمة الترهيب والتهجير القسري تحت حماية فوهات بنادق الجيش.
وبالرغم من قرار محكمة العدل الدولية الذي أكد صراحة عدم شرعية هذه المستوطنات وضرورة إخلائها، تضرب إسرائيل بكل هذه القوانين عرض الحائط، مستغلة حالة الانشغال الإقليمي لتعزيز مشروعها الاستعماري. 
ما يحدث اليوم في المناطق (أ) و(ب) و(ج) هو قرار بإلغاء «اتفاقية أوسلو» فعلياً على الأرض، وتكريس نظام «أبارتهايد» مكتمل الأركان، حيث تضيع حقوق أكثر من 3 ملايين فلسطيني تحت وطأة التوسع الاستيطاني، ويترك الفلسطيني معدماً من كل شيء في ظل ضغط اقتصادي وأمني مرير يعيش فيه.
القضية الفلسطينية تمر بمنعطف هو الأخطر منذ عقود؛ فالمستوطنات لم تعد مجرد وحدات سكنية، بل هي ألغام مزروعة في جسد الوجود الفلسطيني. وإذا استمر هذا التغول من دون رادع دولي حقيقي يتجاوز الإدانة إلى العقوبات الفعلية، فإننا سنستيقظ قريباً على واقع لا يوجد فيه مكان للفلسطينيين حتى فوق أرضهم التي ورثوها أباً عن جد. 
الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر مصادرة الأراضي وبناء القلاع الاستيطانية، بل عبر الاعتراف بالحقوق المشروعة، وإنهاء هذا الاحتلال الذي بات ينتهك ضمير الإنسانية بمحو شعب كامل إما بالقتل أو بالتهجير.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"