صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
علي قباجة
كاتب
أحدث مقالات علي قباجة
9 مايو 2026
ذكرى «النصر» وقود الحرب

لم تعد ذكرى «9 مايو» مجرد طقس بروتوكولي يستعرض فيه الكرملين عضلاته العسكرية في الساحة الحمراء، بل تحولت في ظل الصراع الراهن إلى مؤشر استراتيجي يقيس مدى اشتعال الجبهات.

فخلف مشهد العروض العسكرية المختصرة والمدرعات الغائبة، تكمن معادلة أمنية معقدة وضعت موسكو وكييف في حالة استنفار قصوى، حيث لم يعد الرهان على كسب الأرض فحسب، بل على حماية الرمزية السياسية من «إهانة» المسيرات أو الضربات البعيدة التي طالت العمق الروسي.

القراءة للمشهد تشير إلى أننا أمام «حرب هدن» وتكتيكات تهدف إلى رمي الكرة في ملعب الآخر، فإعلان أوكرانيا وقفاً لإطلاق النار سبقه تحرك روسي مماثل، لكن الواقع الميداني كشف «زيف» هذه المبادرات التي ولدت ميتة.

بالنسبة لكييف، فإن التهديد باستهداف الداخل الروسي خلال الاحتفالات هو رسالة سياسية مفادها أن «الأمن القومي الروسي» بات مهدداً، بينما ترى موسكو في تقليص عرضها العسكري وتحذيرها من «ضربة انتقامية كبيرة» تستهدف وسط كييف، محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة تمنع أي تحرك أوكراني قد يفسد مشهد النصر السنوي.

يعكس التحذير الروسي الصارم الموجه للسفارات الأجنبية بضرورة الإخلاء، تحولاً جذرياً من الدفاع عن الحدود إلى التهديد المباشر بقطع «رأس النظام» في كييف، فموسكو التي تواجه ضغوطاً ميدانية، لا سيما بعد تقارير تشير إلى فقدانها السيطرة على بعض الأراضي في إبريل/ نيسان الماضي، تجد في ذكرى النصر فرصة لاستعادة زمام المبادرة عبر التهديد ب«الخيار الصاروخي الأقصى»، وهو نوع من الردع النفسي الذي يهدف إلى شل القدرة الأوكرانية عن التفكير في أي هجوم مباغت قد يطول الساحة الحمراء، وحلفائها أيضاً.

أما أوكرانيا فإنها تدرك أن أي تصعيد واسع في هذا التوقيت قد يمنح موسكو الذريعة السياسية لتوسيع رقعة التدمير، ومع ذلك، فإن تكثيف الهجمات بالمسيرات يؤكد أن كييف تتبع استراتيجية «الاستنزاف النوعي»، التي تركز على إحراج القيادة الروسية أمام جمهورها الداخلي عبر تقليص هيبة الاحتفالات التقليدية، لكن في المقابل فإن العرض العسكري الذي سيقام بلا معدات ثقيلة لأول مرة منذ عقود، يرسل إشارة واضحة من روسيا بأن «أدوات النصر» باتت مطلوبة على خطوط التماس في دونيتسك وزابورجيا أكثر من حاجتها في ميادين الاستعراض.

نحن اليوم أمام مشهد يتجاوز حدود المواجهة التقليدية، فالمناسبة التي خصصت لتخليد نهاية الحرب العالمية الثانية، باتت اليوم وقوداً لإذكاء صراع حديث لا يعترف بالخطوط الحمراء.

وبين الوعيد الروسي بضرب «مراكز صنع القرار» والرد الأوكراني «بالمثل»، تبدو الهدن مجرد فواصل زمنية قصيرة لجولات أكثر عنفاً، والثابت الوحيد هو أن ذكرى النصر لم تعد توحد أحداً، بل أصبحت محطة صراع يختبر فيها كل طرف قدرته على الصمود في وجه التحولات الميدانية المتسارعة، وسط غياب تام لأي أفق دبلوماسي حقيقي يوقف نزيف الميدان.

2 مايو 2026
«الإبادة الصامتة»

ما يشهده قطاع غزة اليوم يتجاوز في أبعاده المنطق السياسي أو الميداني المتعارف عليه، فهو أمام واقع إنساني مرير يعاد فيه صياغة مفهوم «العيش» ليصبح معركة يومية من أجل قطرة ماء.

فبعيداً عن صخب المدافع الذي لم يهدأ رغم هدنة أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تبرز سياسة أخرى أكثر هدوءاً لكنها أشد تأثيراً، تتمثل في تضييق إسرائيل الخناق على مقومات الحياة الأساسية للسكان، وتحويل الموارد الأساسية، وفي مقدمتها الماء، إلى ملف شائك يثقل كاهلهم.

تقرير منظمة «أطباء بلا حدود» الأخير، الذي سلط الضوء على استخدام إسرائيل «المياه كسلاح إبادة»، يضع العالم أمام أرقام وحقائق لا يمكن تجاوزها، فالحديث هنا ليس عن أزمة عابرة ناتجة عن ضغوط الحرب فحسب، بل عن تضرر طال نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي. وحين تصبح محطات التحلية والآبار خارج الخدمة، ويجد الإنسان نفسه مضطراً للمخاطرة بحياته من أجل قطرات قليلة من الماء، فإننا نكون أمام مشهد يفتقر إلى أدنى معايير الإنسانية، ويضع حياة مئات الآلاف على المحك، وهو ما يمكن وصفه أيضاً بـ«الإبادة الصامتة».

مفهوم «الندرة المهندسة» الذي أشارت إليه المنظمة الدولية يعكس واقعاً صعباً، حيث يتم التحكم في تدفق الإمدادات الحيوية ورفض دخول المواد اللازمة لمعالجة المياه وتنقيتها، وهذا النقص الحاد، حين يجتمع مع الاكتظاظ السكاني وانهيار المنظومة الصحية، يخلق بيئة مواتية لانتشار الأمراض والأوبئة التي لا تفرق بين صغير وكبير. ومن هنا، يبرز التساؤل حول الجدوى العسكرية من استمرار هذه الضغوط التي تستهدف في المقام الأول حرمان السكان من حقهم الفطري في مياه نظيفة وآمنة.

المجتمع الدولي، والقوى المؤثرة في المشهد، أمام مسؤولية حقيقية، حيث إن سعيهم لضمان وصول المياه لسكان القطاع بالمستويات التي تحفظ كرامتهم وصحتهم ليس مطلباً سياسياً، بل هو ضرورة إنسانية ملحة لمنع وقوع كارثة صحية شاملة. فالحياة لا يمكن أن تستقيم في ظل غياب شريانها الأساسي، والاستمرار في سياسة تقنين الموارد لا يؤدي إلا إلى تعميق المعاناة الإنسانية وزيادة البؤس.

غزة اليوم في أمس الحاجة إلى حلول عملية تضمن إعادة تشغيل أوسع للآبار ومحطات التحلية، وتسمح بدخول المعدات والمواد الكيميائية اللازمة لتنقية المياه، وهذا كله يدخل في بند التمسك بقيم الحق في الحياة، والاعتراف بأن حرمان البشر من الماء هو طريق مسدود لا يخدم استقراراً ولا يحقق سلاماً، بل يزرع بذور الألم في أرض لم تعد تحتمل المزيد.

قضية المياه في غزة هي المرآة التي تعكس مدى التزام العالم بالقيم الإنسانية، وحماية هذا المورد من استخدامها كسلاح حرب هو السبيل الوحيد للحفاظ على ما تبقى من رمق الحياة في قطاع أرهقته الحروب، بانتظار لحظة تتدفق فيها المياه والحلول معاً.

[email protected]

25 أبريل 2026
هل أفل زمن الرفاه الأوروبي؟

لم تعد أوروبا تلك القارة الهادئة التي تنعم بالرفاهية تحت المظلة النووية الأمريكية، فاليوم تجد نفسها في عين العاصفة، محاصرة بين نيران تشتعل في شرقها الأوكراني، وأخرى تنفجر في الشرق الأوسط، المشهد في بروكسل وبرلين وباريس لم يعد يتحدث عن خطط التنمية المستدامة بقدر ما يتحدث عن «عقيدة البقاء»، في تحول دراماتيكي يعيد رسم ملامح القارة التي ظنت يوماً أن الحروب الكبرى باتت جزءاً من التاريخ.

تأتي تصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الأخيرة لتضع النقاط على الحروف، فالاستقرار الأوروبي بات رهيناً لصراعات تتجاوز حدود القارة، حيث إن الحرب التي تقودها واشنطن في الشرق الأوسط ضد إيران لم تعد مجرد «صراع إقليمي» في نظر الأوروبيين، بل تحولت إلى «نزيف اقتصادي» حاد، فالأسعار الجنونية للطاقة، والتهديد بموجات لجوء غير مسبوقة، كلها عوامل دفعت العواصم الأوروبية لرفع شعار «ليست حربنا»، في تمرد صريح على سياسات دونالد ترامب، التي يراها الأوروبيون حرباً لم يستشاروا فيها.

والمفارقة هنا تكمن في «المستفيد الخفي»، فروسيا التي يحاول الغرب خنقها، تقتات اليوم على اشتعال أسعار النفط الناجم عن توترات مضيق هرمز، وهذا ما حذر منه وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل بوضوح، إذ إن انشغال العالم بملف إيران قد يمنح موسكو «قبلة الحياة» اقتصادياً، ويصرف الأنظار عن دعم أوكرانيا، ما يعني أن انتصار روسيا «الجيوسياسي» قد يأتي من بوابة الشرق الأوسط.

هذا الواقع المرير دفع القارة نحو «عسكرة» متسارعة، فوزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس يقود تحولاً تاريخياً لزيادة أعداد الجيش، متجاوزاً كل المحرمات السياسية التي فرضتها حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكن السؤال المطروح: هل تكفي المليارات المخصصة للتسلح لردم الفجوة؟ الإجابة تبدو محبطة، فالمصانع الأوروبية لا تزال عاجزة عن مضاهاة وتيرة الإنتاج الروسي، ما يجعل «الاستقلال الاستراتيجي» الذي ينادي به الرئيس الفرنسي ماكرون مجرد طموح يصطدم بواقع صناعي متهالك.

وعلى وقع تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتقليص حماية «الناتو»، تجد أوروبا نفسها أمام خيارين أحلاهما مر، إما التبعية المطلقة لإملاءات البيت الأبيض، أو المضي في بناء «ناتو أوروبي» يضم قوى مثل تركيا وبريطانيا، وهنا تبرز أهمية تحذيرات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أدرك أن عسكرة أوروبا من دون رؤية سياسية واتفاق سلام شامل قد تسرع من وتيرة الصدام الشامل.

أوروبا تودع اليوم عصر «الرفاهية» لتدخل عصر «الاستعداد الدائم»، فالفراغ الأمني الذي قد يخلفه الانسحاب الأمريكي المحتمل لن يُملأ بالخطابات، بل بكلفة باهظة قد تلتهم ميزانيات الرعاية الاجتماعية وتغير طبيعة الحياة في القارة العجوز إلى الأبد.

لقد استفاقت أوروبا على حقيقة مفادها أن الجغرافيا لا ترحم، وأن أمنها لا يبدأ من حدودها، بل من استقرار الشرق الأوسط وهدوء السهول الأوكرانية.

[email protected]

11 أبريل 2026
حرب أوكرانيا المزمنة

لا تبدو الأزمة الأوكرانية، في فصولها المتلاحقة، مجرد صراع حدودي على «بضعة كيلومترات» كما وصفها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، بل هي معضلة سياسية تضع النظام العالمي بأسره أمام الحقيقة المرة.
فبينما تتصاعد نبرة واشنطن الداعية إلى «الحزم» تارة، والمنتقدة للعواصم الأوروبية تارة أخرى، تظل دماء الآلاف في الجانبين تسيل في خنادق لا يبدو أن نهايتها قريبة، ما يجعل السؤال عن جدوى الاستمرار في حرب الاستنزاف هذه أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خاصة مع التداعيات الاقتصادية التي خنقت القارة العجوز، وأنهكت جيوب مواطنيها.
فانس وضع إصبعه على الجرح، حين انتقد القادة الأوروبيين، معتبراً أن تقصيرهم في بذل جهود دبلوماسية كافية، يسهم في إطالة أمد النزاع الذي وصفه بأنه «الأصعب» في تاريخ التسويات السياسية المعاصرة.
هذا الانتقاد لا يعكس فقط توجهاً أمريكياً يميل نحو «الواقعية السياسية»، أو الرغبة في التخلص من أعباء الحرب، بل يكشف عن ضيق صدر واشنطن من تحمل الفاتورة الأكبر لصراع يقع في الفناء الخلفي لأوروبا، بينما تكتفي الأخيرة بدور الممول.
كييف بدورها تدرك جيداً، أن مفاتيح الحل الفعلي ليست في ردهات الاتحاد الأوروبي، حتى وإن طالبتهم بتعزيز دعمهم لها، بل في «الحزم» الذي يمكن أن تبديه الإدارة الأمريكية تجاه الكرملين، ومن هنا جاءت دعوات وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا إلى ضرورة «إجبار» موسكو على وقف إطلاق النار، خصوصاً في ظل نجاحات الدبلوماسية الأمريكية في ملفات شائكة كالملف الإيراني.
الرهان الأوكراني اليوم لا يتوقف عند حدود الصمود الميداني، بل يمتد إلى قدرة واشنطن على تحويل «الحزم» من مصطلح للاستهلاك الإعلامي، إلى أداة ضغط حقيقية تكسر جمود المشهد وتفرض واقعاً جديداً على طاولة المفاوضات. ورغم هذا الزخم، يظل بصيص الأمل معلقاً على استئناف المحادثات الثلاثية «الأمريكية-الروسية-الأوكرانية»، والمنوطة بمدى قدرة واشنطن على الموازنة بين انشغالاتها بملفات الشرق الأوسط المشتعلة، وبين التزاماتها في الجبهة الشرقية لأوروبا.
اليوم ثمة مشهد سياسي معقد، لا يحتاج فقط إلى طاولات مفاوضات مستديرة، بل إلى إرادة دولية تدرك أن كلفة السلام، مهما بلغت، تظل أرخص بكثير من ثمن الرصاص والدمار. فهل ينتصر صوت العقل، وتتحقق نبوءة «التقارب» التي تحدث عنها فانس، أم تظل دانات المدافع والصواريخ هي صاحبة الكلمة الأخيرة في صياغة تاريخ مخضب بالدم والرماد؟
المؤكد أن العالم لم يعد يحتمل مزيداً من الانتظار، وأن لحظة الحقيقة قد حانت، لوضع حد لمأساة إنسانية، يدفع ثمنها الجميع بلا استثناء، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

[email protected]

4 أبريل 2026
«بريكس».. نهاية القطب الواحد

منذ سنوات، والعالم يتحدث عن «نهاية الهيمنة الأمريكية الأحادية» وكأنها نبوءة، لكن ما نراه اليوم في أروقة مجموعة «بريكس» بعد توسعها، يشير إلى أن قطار التغيير قد انطلق بالفعل، وأن العالم الذي عرفناه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، بدأ يفسح المجال، لواقع جديد أكثر تعدداً.
لكن السؤال يبقى، هل تنجح «بريكس»، في كسر سطوة الدولار وتقليص الهيمنة الأمريكية؟
في الواقع أن الدولار ليس مجرد عملة، بل هو «نظام عالمي» متجذر، ولا يمكن إزاحته عن المشهد، لكن ثمة سعياً لمنافسته، فتوجه العديد من دول «بريكس» نحو «التمرد الهادئ»، عبر التبادل بالعملات المحلية ليس مجرد مناورة، بل هو «إعلان استقلال» سياسي. فهناك العديد من الدول لم تعد تحتمل فكرة، أن تظل رهينة لقرار يصدر من «البنك الفيدرالي» في واشنطن، أو خاضعة لسلاح العقوبات الذي يُشهر في وجه كل من يغرد خارج السرب. وهذه التحركات محاولة لخلق «منطقة أمان» مالية تحمي السيادة الوطنية من تقلبات المزاج السياسي في الغرب، خارج النظام المالي العالمي الذي تحتكره واشنطن.
لكن الطريق نحو هذا النظام الجديد ليس مفروشاً بالورود، فداخل «بريكس» مليء بالتناقضات، والتنافس الصيني الهندي، على سبيل المثال، يمثل تحدياً حقيقياً، فكيف يمكن لخصمين لديهما نزاعات حدودية وتنافس على زعامة آسيا، أن يجلسا على طاولة واحدة لرسم سياسة عالمية موحدة؟ لكن يبدو أن هناك قبولاً مبدئياً من هاتين القوتين للتعاون، لإدراكهما أن العمل الجماعي هو السبيل الوحيد لإعادة توازن الكفة أمام الغرب، وهو ما يجعلهم يضعون الخلافات جانباً لصالح «الكعكة الكبرى» وتغيير قواعد اللعبة الدولية التي ظلت جامدة لعقود.
وفي قلب هذه المعادلة، يأتي الدور العربي، ليعطي للمجموعة ثقلاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله، فانضمام دول عربية وازنة ل«بريكس» ليس مجرد تغيير في التحالفات، بل هو ممارسة ذكية لسياسة «توازن القوى». فهم يمدون يداً للغرب، بينما يفتحون الأبواب على مصاريعها لاستثمارات الشرق، وهذا التموضع العربي الجديد، يعكس وعياً بضرورة بناء جسور اقتصادية، تؤمن المستقبل بعيداً عن الاستقطابات الحادة.
ما يحدث اليوم يتجاوز حدود التكتلات التجارية، بل «مخاضاً» لنظام عالمي جديد، سيتعين فيه على القوى التقليدية الاعتراف بأن هناك شركاء جدد على الطاولة. قد لا يسقط القطب الواحد، لكن الأكيد أن الطاولة لم تعد تتسع لشخص واحد فقط.
دول «بريكس» قررت أن تكتب مستقبلها بأيديها، وفي هذا العالم الجديد، البقاء ليس للأقوى عسكرياً فحسب، بل للأكثر قدرة على المناورة وبناء الشراكات العابرة للقارات، وتطويع الجغرافيا لخدمة الاقتصاد والسيادة معاً.
ويبقى السؤال الأبرز.. هل سترضى واشنطن بالوقائع الجديدة، أم ستبقى تقاوم حتى النفس الأخير؟

[email protected]

28 مارس 2026
«الناتو» على مقصلة التحولات

علي قباجة

منذ اللحظة التي عبرت فيها الدبابات الروسية الحدود الأوكرانية في فبراير/ شباط 2022، لم تعد النقاشات داخل أروقة حلف «الناتو» ترفاً فكرياً، بل تحولت إلى استنفار يطرح السؤال الأصعب، هل يواجه الحلف خطر الزوال كما يؤكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أم أنه يمر بمرحلة إعادة ولادة قيصرية؟

الواقع يقول إن الحلف اليوم يقف بين مطرقة الطموحات الروسية التي لا يبدو أنها ستقف عند حدود كييف وفق الكثير من القادة الأوروبيين، وسندان الضغوط الأمريكية المتزايدة التي سئمت من لعب دور «الممول الأكبر» لأمن القارة العجوز، وهي فجوة استراتيجية يحاول الكرملين استغلالها بكل طاقته لإعادة رسم خرائط النفوذ العالمي.

التحدي الأبرز الذي يواجه «الناتو» ليس عسكرياً فحسب، بل هو تحدي «الإرادة السياسية» والتجانس الداخلي، فبينما تحذر أجهزة الاستخبارات ومسؤولون مثل مارك روته من هجوم روسي محتمل على دول الحلف خلال سنوات قليلة، تبرز أصوات من داخل البيت الأوروبي، كصوت رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان، تدعو إلى «واقعية سياسية» يراها الكثيرون استسلامية، عبر تحويل أوكرانيا إلى منطقة عازلة والاعتراف بقوة روسيا كأمر واقع.

هذا الانقسام في الرؤى يغذي البروباغندا الروسية التي تراهن على تآكل وحدة الصف الغربي مع مرور الوقت واستنزاف المخازن العسكرية، ما يجعل موسكو تترقب اللحظة التي ينهار فيها هذا «الإجماع الهش» تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والداخلية في دول القارة.

وعلى الجانب الآخر من المحيط، لم يعد التذمر الأمريكي من ضعف الإنفاق الدفاعي الأوروبي مجرد «عتاب حلفاء»، بل صار تهديداً صريحاً لتماسك الحلف، فواشنطن، التي تنظر بعين الريبة لصعود قوى دولية جديدة في آسيا، لم تعد مستعدة لحمل عبء الأمن الأوروبي وحدها، بينما تكتفي دول القارة بوعود لرفع ميزانياتها الدفاعية إلى 5% من ناتجها المحلي. هذا الضغط دفع أوروبا لبدء أكبر حملة تسلح منذ عقود، لكن بناء الجيوش وتحديث العقائد العسكرية لمواجهة حروب «المسيرات» والحروب السيبرانية يحتاج لسنوات، وهو وقت قد لا يمنحه بوتين لخصومه الذين يصارعون لتأمين إمداداتهم الدفاعية المنهكة.

إن ما تسعى إليه روسيا اليوم يتجاوز مجرد نصر عسكري في الميدان الأوكراني، فهي تحاول فرض «هيكل أمني» جديد ينهي هيمنة القطب الواحد ويمحو أثر «الناتو» في الشرق، مستندة إلى تحالفات صاعدة مثل منظمة شنغهاي و«بريكس»، وبالتحالف مع الصين.

وفي ظل هذا الصراع، تجد الدول الأوروبية نفسها في سباق مع الزمن، فإما أن تثبت للكرملين أن لديها الإرادة والقدرة على الدفاع عن كل شبر من أراضيها، أو أن نبوءة لافروف حول «زوال المنظمات الغربية» قد تجد طريقها للتحقق إذا استمر الشرخ في الاتساع بين ضفتي الأطلسي، وبين العواصم الأوروبية ذاتها.

الحقيقة المرة هي أن السلاح وحده لن يحمي أوروبا، بل الإيمان الصادق بأن ثمن الوحدة اليوم، مهما غلا، يبقى أرخص بكثير من ثمن المواجهة الشاملة غداً.

[email protected]