صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
علي قباجة
كاتب
أحدث مقالات علي قباجة
20 يونيو 2026
كسر عظم بين روسيا وأوكرانيا

​ يدخل الصراع الروسي الأوكراني منعطفاً هو الأكثر سخونة وتعقيداً منذ اندلاعه، حيث لم تعُد المواجهات العسكرية حبيسة خطوط التماس التقليدية في إقليم دونباس، بل تحولت إلى استراتيجية «ضربات العمق المتبادلة»، وتوجيه الرسائل النارية.

الهجوم الأوكراني واسع النطاق بالطائرات المسيّرة، والذي استهدف مصفاة نفط حيوية في قلب موسكو، جاء كترجمة ميدانية مباشرة لتهديدات الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الصريحة بأن «موسكو ستحترق»، إذا استمر استهداف البنية التحتية لبلاده.

​هذا التصعيد الأوكراني يحمل في طياته دلالات سياسية توقيتية واضحة، فكييف باتت تتعمد، بشكل ملحوظ، تنفيذ هجماتها الكبرى، بالتزامن مع قمم دولية بارزة، تنظمها أو تحضرها موسكو، مثل منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي سابقاً، وقمة «آسيان» الحالية المنعقدة في مدينة كازان.

الرسالة الأوكرانية هنا ليست عسكرية بحتة لتقويض تمويل الآلة الحربية الروسية عبر ضرب منشآت الطاقة وتخزين المحروقات، فحسب، بل هي محاولة سياسية لخدش صورة الاستقرار الفيدرالي الروسي أمام الشركاء الدوليين، وإظهار أن الداخل الروسي بات مكشوفاً أمام ضربات الاستنزاف.

​في المقابل، تعكس ردود الفعل الروسية استراتيجية مركّبة تعتمد على الامتصاص العسكري والهجوم المرتد، فبينما تمطر القوات الجوية الروسية الأجواء الأوكرانية بمئات الصواريخ والمسيّرات، يومياً، ظهر الرئيس فلاديمير بوتين في قمة كازان هادئاً، متجاهلاً الضربة الأوكرانية تماماً في كلمته الافتتاحية.

هذا البرود الدبلوماسي المتعمد يهدف إلى إرسال إشارات قوية، للداخل والخارج، معاً، مفادها أن الدولة الروسية قادرة على إدارة شؤونها وعلاقاتها الدولية تحت أي ظرف طارئ، وأن الواقع الميداني يسير وفق حساباتها الاستراتيجية، متجاوزاً محاولات الابتزاز العسكري الأوكراني.

​ومع ذلك، لا يمكن بأيّ حال من الأحوال فصل هذا الغليان الميداني المتصاعد عن الحراك الدبلوماسي المتسارع الذي يدور خلف الكواليس الدولية، فتصريحات الرئيس الأمريكي ترامب في قمة مجموعة السبع بفرنسا، ودعوته الصارمة لموسكو بضرورة «إبرام اتفاق» سريع لإنهاء الحرب، تضع جميع الأطراف أمام واقع سياسي جديد بملامح مختلفة. زيلينسكي الذي يلوّح بورقة التصعيد، ويتجه إلى بروكسل طلباً لمنظومات دفاع جوي متطورة، وصواريخ مضادة للباليستي عبر برامج حلف شمال الأطلسي، يدرك جيداً أن الدعم الغربي ليس شيكاً على بياض، وأن الضغط العسكري المكثف هو وسيلته المتبقية لتحسين شروط أي تفاوض مستقبلي، خاصة بعد دعوته الأخيرة لبوتين بوقف الحرب فوراً، محذراً إياه من خيارات صعبة قد تمس أمنه الشخصي.

​المشهد الراهن يبدو كسباق، محموم وخطر، بين فوهة البندقية وطاولة المفاوضات، فبينما يصّر بوتين على فرض واقع الميدان كشرط للتسوية مع رفضه القاطع لإجراء أي محادثات مباشرة مع نظيره الأوكراني، تحاول كييف، بكل قوتها، نقل كلفة الحرب الباهظة إلى عقر دار خصمها لخلخلة توازنه. لكن الأكيد وسط صراع كسر العظام هذا، أن كلفة الاستمرار والمكابرة باتت تفوق قدرة الطرفين على الاحتمال على المدى الطويل، وأن التصعيد العسكري الراهن قد لا يكون في نهاية المطاف إلا الممر الإجباري، الأخير والاضطراري، الذي يسبق الجلوس الحتمي على طاولة تسوية شاملة، تصاغ تفاصيلها المعقدة بخرائط الميدان، وضغوط العواصم الكبرى.

[email protected]

13 يونيو 2026
أرواح في مهبّ الريح

لم تعُد قضية الهجرة غير النظامية مجرّد مانشيتات عابرة، تطالعنا بها وكالات الأنباء الدولية في نشراتها اليومية، بل تحولت في واقع الأمر إلى جرح، نازف وعميق، في جسد الإنسانية بأسرها، ومرآة كاشفة لضمير عالمي يبدو أنه بات يعيش مرحلة خطرة من التبلّد واللامبالاة تجاه عذابات البشر.

خلف كل قارب متهالك ومكتظ يمخر عباب البحار والمحيطات المظلمة، ثمة أرواح بريئة، وأُسر كاملة فرت من رمضاء الحروب الأهلية المشتعلة، أو من وطأة فقر مدقع وقاسٍ يطحن عظام بسطاء لم يطلبوا من هذه الدنيا سوى العيش في سلام وأمان.

غير أن المأساة الحقيقية لا تكمن في ركوب أهوال البحر ومخاطره الجسيمة فقط، بل في تلك البيئات، السياسية والقانونية، الجافة التي تقابل هؤلاء المكلومين، وجدران عازلة تفتقر إلى التعاطف الإنساني الفطري.

في هذا السياق المأساوي، جاءت الصرخة المدوية التي أطلقها البابا ليو الرابع عشر خلال زيارته الاستثنائية لجزر الكناري الإسبانية، لتضع النقاط على الحروف من دون مواربة، حينما حذّر، بقوة، من أن «التاريخ سيدين، عاجلاً أم آجلاً، من يتجاهلون وفيات المهاجرين ومعاناتهم المريرة». هذه الكلمات الحازمة لا تمثل مجرّد موقف روحي أو ديني عابر، بل هي بمثابة بيان سياسي وإنساني بامتياز، يضع المجتمع الدولي بأسره أمام مسؤولياته الأخلاقية والوجودية المقصّر فيها، بشكل فاضح، حيث إن الكرامة البشرية، كما حددها البابا بدقة متناهية، لا يمكن أن تحمل جنسية معيّنة، ولا تسقط قيمتها المطلقة، أو تتجزأ بمجرّد عبور حدود رسمتها السياسة والمصالح، فاعتياد رؤية الجثث تتقاذفها الأمواج على الشواطئ، وتحويل مأساة الفارّين بأرواحهم وأطفالهم إلى مشهد يومي مألوف، هو المؤشر الأخطر على سقوط النظام الدولي المعاصر في اختبار القيم والمبادئ.

ما يعرف بـ«رصيف العار» في ميناء أرجينيجين، الذي شهد وعاين معاناة آلاف المهاجرين في ظروف معيشية وصحية غير آدمية بالمرة، ليس مجرّد بقعة جغرافية معزولة، بل هو رمز حي لسياسة الإقصاء والتهميش الممنهج التي تنتهجها الدول المتقدمة تجاه المستضعفين في الأرض.

فالمهاجرون ليسوا أرقاماً في إحصائية، بل هم بشر يمتلكون تطلعات مشروعة تماماً في الأمان والاستقرار، وليس من حق أيّ قوة سياسية أو قيادة عالمية في هذا الكون أن تحتقر أحلامهم البسيطة، أو تسحقها تحت وطأة الحسابات الانتخابية والمصالح العابرة.

علاج هذه الكارثة المتفاقمة لا يمكن أن يتحقق أبداً عبر عسكرة الشواطئ، وتشديد الحراسة، وزيادة القيود الحدودية، بل يتطلب شجاعة دولية حقيقية لفتح «مسارات قانونية وآمنة» تحمي الأرواح، وتضرب بيد من حديد على شبكات ومافيات الاتجار بالبشر.

والأهم من ذلك كله، هو ضرورة البدء الفوري بمعالجة الجذور الحقيقية للأزمة، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل السطحي مع قشورها، من خلال تجفيف منابع الفقر المدقع، ووقف الحروب العبثية، والفساد المستشري الذي يدفع الناس للمخاطرة بأرواحهم في غياهب المجهول.

[email protected]

6 يونيو 2026
تثبيت الاحتلال ونسف السلام

في انتهاك جديد يكشف عن النوايا الحقيقية للحكومة الإسرائيلية اليمينية، أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش عن خطة توسعية تقضي ببناء أكثر من ألفي وحدة استيطانية في الضفة الغربية.

هذا الإعلان الخطر ليس مجرد إجراء إداري أو مشروع استيطاني عابر، بل هو حلقة جديدة في مسلسل ممنهج يقوده وزراء يمينيون، ويهدف بالدرجة الأولى إلى تغيير شامل في معالم الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، وقطع الطريق نهائياً أمام أي أمل متبق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة ومتصلة جغرافياً.

الخطورة البالغة في تصريحات سموتريتش لا تكمن فقط في الأرقام وتوزيعها الاستراتيجي، بل في الفلسفة السياسية العنصرية التي تنطلق منها، فالرجل لم يتردد في القول علانية إن هذه الوحدات الجديدة تهدف مباشرة إلى «ترسيخ حقائق واضحة على الأرض تمنع إقامة دولة عربية في قلب إسرائيل»، هذا الاعتراف يمثل تحدياً صارخاً للإرادة الدولية، ونسفاً مقصوداً لكل المرجعيات والقرارات الأممية التي تُجمع بلا مواربة على أن الاستيطان غير قانوني، ويشكل العقبة الكبرى والأساسية أمام تطبيق حل الدولتين لتحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة.

وزراء حكومة بنيامين نتنياهو يمارسون بلا مواربة سياسة فرض الأمر الواقع، مستغلين حالة التراخي الدولي، على الرغم من أن عواصم أوروبية كبرى مثل لندن وباريس فرضت عقوبات على سموتريتش بتهمة التحريض على العنف ضد الفلسطينيين، إلا أن هذه الإجراءات تظل خجولة وقاصرة، ولا ترقى إلى مستوى الردع الفعلي، فإسرائيل لا تأبه بالعقوبات الرمزية ما دامت لا تواجه ضغطاً حقيقياً أو تضع حداً لانتهاكاتها المستمرة لسيادة القانون الدولي.

المفارقة تكمن في التوقيت والظروف الراهنة، فالمنطقة تعيش على صفيح ساخن، والسياسات الاستفزازية المستمرة لن تؤدي إلا إلى دفع المنطقة نحو مزيد من جولات التصعيد المدمر، لذلك فإن زرع هذه الوحدات الاستيطانية بالقرب من القدس ونابلس والخليل وعزل المدن الفلسطينية وتحويلها إلى كانتونات معزولة، وجعل فكرة «طموحات الاستقلال» الفلسطينية أمراً مستحيلاً من الناحية العملية، وهو الهدف الجوهري الذي يسعى إليه قادة الاستيطان منذ سنوات طويلة، قد يشعل شرارة جديدة في الضفة.

أمام المجتمع الدولي، وخاصة الإدارة الأمريكية، فرصة إنهاء هذا «الجنون الإسرائيلي»، من خلال اتخاذ موقف حازم يتجاوز لغة الدبلوماسية التقليدية إلى خطوات عقابية عملية تلزم تل أبيب بوقف التمدد الاستيطاني. ومن دون ذلك، ستبقى كل الأحاديث والوعود عن السلام مجرد أوهام تبددها الجرافات الإسرائيلية يومياً على أرض الضفة الغربية، لذا فإن الاستقرار لن يتحقق في هذه المنطقة عبر مصادرة الحقوق وتثبيت الاحتلال، بل عبر منح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة في دولة مستقلة عاصمتها القدس.

[email protected]

30 مايو 2026
طبول الحرب على الشواطئ الكوبية

تثبت التطورات الأخيرة في منطقة الكاريبي أن لغة التصعيد المتزايد والتلويح المباشر بالخيار العسكري لا تزال الأداة الحاضرة لدى الإدارة الأمريكية في التعامل مع الملفات الدولية المعقدة، فبينما لم تكد تهدأ جبهات الصراع في مناطق أخرى من العالم، يطرح الرئيس دونالد ترامب معادلة جديدة، متعهداً بإرسال حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» لترسو بمحاذاة الشواطئ الكوبية، في خطوة سياسية وعسكرية واضحة تعكس رغبة واشنطن في فرض شروطها على هافانا، وإعادة صياغة واقع الجزيرة الكاريبية عبر انتهاج سياسة حافة الهاوية كأداة تفاوضية ضاغطة.

هذا التحرك العسكري يتماشى بدقة مع خناق اقتصادي أحكمته الإدارة الأمريكية عبر حزمة عقوبات نوعية وواسعة النطاق، تستهدف بشكل مباشر الشرايين الحيوية للاقتصاد الكوبي المنهك، من قطاعات الطاقة والتعدين والمعادن، وصولاً إلى المصارف الأجنبية والكيانات التي تتعامل مع الجزيرة المحاصرة.

ولم تتوقف الضغوط التي يقودها ترامب عند حدود الاقتصاد والتجارة فحسب، بل تجاوزتها إلى أبعاد أخرى غير مسبوقة، تمثلت في إعادة فتح ملفات الماضي وتوجيه اتهامات بالقتل للزعيم الكوبي التاريخي راؤول كاسترو، في خطوة ترى فيها هافانا تمهيداً لشرعنة وتبرير أي تدابير عسكرية أو سياسية حاسمة قد تتخذ في المستقبل لإسقاط النظام الحاكم هناك.

في المقابل، تجد كوبا، نفسها اليوم واقعة بين مطرقة الأزمة الاقتصادية والمعيشية الطاحنة التي شلت معظم مظاهر الحياة اليومية نتيجة الشح الحاد في إمدادات الوقود وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر، وسندان الضغوط الأمريكية المتواصلة، ومع ذلك، اختارت الحكومة الكوبية الرد الفوري عبر استدعاء الإرث الثوري والتعبئة الشعبية الحاشدة في الشوارع والميادين، في محاولة لإظهار التماسك الداخلي والالتفاف الوطني حول القيادة، متزامناً ذلك مع مناشدات دبلوماسية عاجلة وجهها وزير الخارجية برونو رودريغيز لمجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي بأسره للتدخل السريع ومنع كارثة إنسانية يفرضها حصار الطاقة الأمريكي.

ما تشهده العلاقات الأمريكية الكوبية اليوم من تدهور سريع يضع المنطقة بأكملها أمام منعطف حرج، فرغم تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التي حاول فيها إبداء مرونة بالإشارة إلى أن البيت الأبيض يفضل «الحل الدبلوماسي» ومستعد للحوار من أجل مصلحة الشعب الكوبي، فإن الشواهد والوقائع الحقيقية على الأرض -من مراقبة جوية مكثفة، وتوجيه اتهامات لراؤول كاسترو، وتسريب تقارير استخباراتية تزعم وجود مسيرات كوبية ومستشارين عسكريين أجانب في هافانا- تشير بوضوح إلى أن خيار التصادم والمواجهة يتقدم في أروقة صناعة القرار بواشنطن، تماشياً مع استراتيجية ترامب القائمة على حشر الخصوم في الزاوية للحصول على تنازلات كاملة.

لذلك، فإن من شأن أي تصعيد عسكري أن يضيف وقوداً على العالم المشتعل أساساً، وإن خيار خفض التصعيد والجلوس إلى طاولة مفاوضات يبقى هو الخيار الأسلم، لأن عكس ذلك يعني ارتفاع صوت المدافع والذي لا يضمن دخول أطراف أخرى للصراع، كروسيا والصين الحليفتين لكوبا.

[email protected]

23 مايو 2026
«الناتو».. لحظة الحقيقة

يمر حلف شمال الأطلسي «الناتو» اليوم بأخطر تحول بنيوي منذ تأسيسه عام 1949، فالتوسع الجغرافي الأخير بانضمام فنلندا والسويد، والذي روج له كأكبر صفعة استراتيجية لروسيا، تحول سريعاً إلى قيمة محدودة في ظل اعتماد أوروبا الكبير على العباءة الأمريكية، إذ تزامن تمدد الحلف تقريباً مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، والذي تبنى شعار «أمريكا أولاً»، وحوله فعلاً إلى إجراءات عملية على الأرض.

​لم يعد «الانكفاء الأمريكي» عن أوروبا والذي تبناه ترامب مجرد تصريحات سياسية للضغط، بل تحول إلى واقع عسكري ملموس أربك العواصم الأوروبية، فقد أعلن البنتاغون خفض عدد ألوية قواته المنتشرة في القارة العجوز، بالتوازي مع خطة لسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، وتأجيل نشر 4 آلاف آخرين في بولندا.

هذا التراجع العملي، الذي يعيد حجم الانتشار الأمريكي إلى مستويات ما قبل عام 2021، وضع أوروبا أمام «لحظة الحقيقة»، فالولايات المتحدة نقلت مركز ثقلها الاستراتيجي، ولم يعد أمن أوروبا ضمن أولوياتها الدفاعية الأولى، في ظل تركيزها على الصعود الصيني، ما يعني إجبار القارة على «الفطام العسكري» السريع.

​ في المقابل، تبدو روسيا في أعلى درجات جاهزيتها للمواجهة الطويلة، بعدما نجحت في تحويل اقتصادها بالكامل لخدمة المجهود الحربي، وعززت تحالفاتها العسكرية مع الصين وكوريا الشمالية. ورغم الانقسام في تقدير حجم الخطر الروسي -بين خبراء ألمان يرونه مبالغاً فيه ومبنيّاً على دعاية موسكو، ومسؤولين في دول البلطيق يطالبون بضرب عمق منطقة «كالينينغراد»- فإن الاحتكاكات الميدانية بلغت ذروتها.

فتفعيل لاتفيا لمقاتلات الناتو لاعتراض مسيرات مشتبه بها، وتزايد نشاط «أسطول الظل» الروسي في البلطيق، يثبتان أن المنطقة باتت برميل بارود قابلاً للانفجار، في لحظة خطأ لم يحسب لها حساب.

​أمام هذا المعطى المعقد، لم تقف دول شمال وشرق أوروبا مكتوفة الأيدي، حيث صاغت «خطة بديلة» للقتال من دون واشنطن، وتتطلع هذه الدول إلى «القوة الاستكشافية المشتركة» بقيادة بريطانيا، والتي تضم 10 دول إسكندنافية وبلطيقية، كإطار دفاعي مستقل يمتلك غرف قيادة وشبكات اتصال معزولة عن القيادة التقليدية للحلف، ورغم أن هذه الخطة تعاني من ضعف القدرات البريطانية وغياب قوى كبرى كألمانيا وفرنسا، فإنها تعكس قناعة أوروبية راسخة بأن الردع المبني على حليف قد يغيب وقت الحرب ليس ردعاً حقيقياً.

​إن اجتماع وزراء خارجية الناتو في السويد، تمهيداً لقمة أنقرة المفصلية في يوليو المقبل، ليس مجرد لقاء بروتوكولي، بل هو اعتراف ضمني ببدء حقبة الاعتماد على الذات، ورغم محاولات التحديث العسكري في ألمانيا والدعوات الفرنسية للاستقلال الاستراتيجي، تظل الجيوش الأوروبية مكشوفة في مجالات الاستخبارات، والأقمار الصناعية، والردع النووي، ما يجعل مرحلة الانتقال الراهنة الأخطر في تاريخ القارة الغربية.

[email protected]

16 مايو 2026
قمة بكين.. دبلوماسية فوق الألغام

تخطو الدبلوماسية الدولية اليوم فوق حقل من الألغام، حيث تلتقي المصالح الاقتصادية الكبرى مع الهواجس الأمنية، وفي قمة بكين الأخيرة، لم يكن المشهد مجرد بروتوكولات واستقبالات حافلة، بل كان مواجهة صريحة بين «طموح» القوة الصاعدة و»عناد» القوة المهيمنة.

الرئيس الصيني شي جين بينغ، بلغة هادئة لكنها حازمة، وضع النقاط على الحروف أمام نظيره الأمريكي دونالد ترامب، محذراً من أن قضية تايوان ليست مجرد ملف للتفاوض، بل هي «برميل بارود» قد يشعل فتيل صراع لا يبقي ولا يذر إذا أسيء التعامل معه.

رسالة بكين كانت واضحة تماماً، العالم يتسع للجميع، و»النهضة الصينية» يمكن أن تسير جنباً إلى جنب مع «عظمة أمريكا»، لكن شريطة ألا يتم العبث بالخطوط الحمراء التي تمس السيادة، شي جين بينغ استدعى «فخ ثيوسيديدس» ليذكّر العالم بأن التاريخ لا يرحم القوى التي تندفع نحو الصدام بدلاً من الشراكة، ومع ذلك، بدا ترامب كعادته، يبحث عن «الصفقة» وسط الأزمات، فبينما كانت اللغة الحازمة تخيم على الكلمات، كان الرجل يتحدث بانتشاء عن صفقات طائرات «بوينغ» ال200، وعن وعود صينية بفتح أبواب التجارة على مصراعيها، وكأن لغة الأرقام هي البلسم الوحيد لجراح السياسة العميقة.

لكن المثير للاهتمام في هذه القمة هو الملف الإيراني الذي فرض نفسه بقوة على الطاولة، حيث تعهدت الصين بعدم تزويد طهران بمعدات عسكرية، كما عرضت المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز المغلق، وهذا التحول يشير إلى أن الصين، رغم منافستها الشرسة لواشنطن، لا ترغب في رؤية انهيار كامل لاستقرار خطوط الطاقة العالمية، وهي رسالة طمأنة ذكية التقطها ترامب وسارع لتسويقها كنجاح دبلوماسي كبير يعزز موقفه في الداخل والخارج.

ورغم «كيمياء» الصداقة التي حاول ترامب إبرازها بوصفه لشي ب»القائد العظيم»، إلا أن الواقع الجيوسياسي يظل أعقد بكثير من المجاملات البروتوكولية، فتايوان تظل مثل العقدة في المنشار، وتايبيه من جهتها تنظر بعين الريبة والقلق إلى أي تقارب قد يأتي على حساب أمنها الاستراتيجي.

ما حدث في بكين هو محاولة جادة لترميم التصدعات، لكنها محاولة محفوفة بالمخاطر، فدعوات الشراكة التي برزت تتطلب «أفعالاً» ملموسة لا مجرد «أقوال» عابرة، والوعود التي قطعها الطرفان ستوضع تحت مجهر الاختبار القاسي في قادم الأيام.

في نهاية المطاف، يبقى التساؤل الملح: هل تنجح القوتان في صياغة نموذج جديد للعلاقات يجنب العالم ويلات الصدام المدمر؟ أم أن ما حدث في بكين ليس سوى «هدنة مؤقتة» في صراع طويل الأمد على سيادة العالم؟ الأيام وحدها كفيلة بكشف ما إذا كانت طائرات «بوينغ» كافية للتحليق بالعلاقات بعيداً عن غيوم الحرب.

[email protected]